عرف وادي بيدة في القدم باسم وادي «أبيدة» وهو أحد أودية السراة المعروفة لدى سكان جزيرة العرب عبر الأزمنة الغابرة وحتى الآن. حيث يعرف حالياً بوادي بيدة وقد حذف حرف الألف من أوله لتسهيل النطق. ويمتد وادي بيدة من شمال وادي بني سار جنوباً وحتى وادي تربة شمالاً، ويبلغ طوله قرابة المائة كيلومتر تقريباً، ويقع شرق محافظة القرى وجنوب تربة التابعة لمحافظة الطائف وغرب محافظة العقيق. ويعرف وادي بيدة أيضا بوادي بطحان، ويقال له أيضا «بيدة بطحان»، وكان ملتقى السيارات القادمة من الطائف، لتحط حمولتها ويتسوق أهلها من سوق بطحان الأشهر في العصر القديم على مستوى أسواق قبائل غامد وزهران وبالحارث والبقوم وبني مالك، فكان ذلك السوق وسيلة تسويق القرى لمنتجاتها مثل القمح والشعير والذرة وغيرها، والبادية لمواشيها كالإبل والأغنام ومنتجاتهما من سمن وصوف وإقط، والبلدات المجاورة كتربة تسوق فيه التمور ومنتجاها الأخرى في ذلك الوقت.

ويبلغ عدد سكان الوادي نحو 20 ألف نسمة، ويتواجد أغلب سكانه خارج الوادي بسبب التجارة والوظائف الحكومية. وأهالي بيدة يعملون بالتجارة والزراعة والرعي والوظائف، ومن عوامل الجذب السياحي في بيدة وجود العديد من المنتزهات ومن اهمها منتزه سد وادي بيدة و منتزه الثروة الوطني الجديد ومنتزه القوافل ومنتزه خرصان، حيث يتميز بكثافة شجر السدر من أعلى الوادي إلى أسفله.



ممر القوافل

وفي جولة «المدينة» بالوادي ومعالمه، التقينا بعدد من الاهالي ليتحدثوا عنه، فيقول أحمد الزهراني: في الماضي كان وادي بيده في بطحان من أشهر الأودية في شبه الجزيرة العربية. وقد ورد ذكره في كتب التاريخ والمعاجم الجغرافية في عهد الجاهلية والإسلام ومن أشهر المؤلفين الذين تناولوا سيرة الوادي (ابن خليكان والهمداني وياقوت الحموي وغيرهم). وكان الوادي ممرا لقوافل التجارة من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى شمالها والعكس. وبعد دخول الإسلام أصبح ممرا لقاصدي الحج والعمرة والزيارة من جنوب شبه الجزيرة العربية والهند وباكستان وأفغانستان، حيث تتجه قوافلهم إلى مكة والمدينة بدءا من عرق بني سار جنوبا لمنطقة الباحة الى السويسية شمالا ومن الجهة الجنوبية في قرى بطحان المتمثلة في آل دغمان، اللغاميس، ألحمة، الزربه، الزلاقي، الجدلان، الحازم الأعلى، الحازم الأسفل، الحضيري، العقارية، الرأس، الرقبان والغتامية.

ويقول علي الزهراني، معرف قرية ال زياد: بطحان اشتهر في انحاء شبه الجزيرة العربية قديما وفي المملكة منذ نشأتها بالزراعة، وهي مهنة السكان الرئيسية يعتمدون عليها في قوتهم ومتطلبات حياتهم وكانوا يزرعون الحبوب والمحاصيل بأنواعها والفواكه مثل الرمان، الخوخ، المشمش ورمان بطحان الذي اشتهر في اسواق المملكة ودول الخليج حتى اصبح افضل هدية يتداولها الجميع حتى وقتنا الحاضر.

وسوق بطحان، كان مركزه الرئيسي قرية الجدلان، وكان يقام كل يوم خميس من كل اسبوع، ولم يعرف تاريخ بدايته كونه قديما وكان يطلق عليه اسم بطحان او (الابطح)، ويعتبر السوق الاول والوحيد في منطقة الجنوب (عسير والباحة)، واشتهر حتى اصبح مركزا تجاريا رئيسيا لسكان المنطقة الجنوبية واهالي البادية في انحاء المملكة. واشتهر السوق بالاتجار في المحاصيل الزراعية والماشية، ويبيع فيه الناس ما يزيد عن حاجتهم من المواد لشراء ما يلزمهم من السلع. فسكان الحاضرة يبيعون الحبوب والمحاصيل للبادية التي تبيع منتوجها من الماشية وخلافها في تبادل تجاري، وكانت اغلب السلع تتمثل في اللوز، الزبيب، وبعض الصناعات اليدوية المصنعة من الفخار.

أما حديثا، بدأ التقدم والتطور عمرانيا وثقافيا واجتماعيا وزراعيا، وأصبح وادي بيده في مقدمة قرى المنطقة، وتحسنت أحوال المواطنين بمساعدة صندوق التنمية العقاري، حيث انتشر العمران على الطرق الحديثة، وازدادت القرى الكبيرة وتكونت القرى الصغيرة والإدارات الحكومية في بيده؛ مركز إمارة، مركز شرطة، محكمة، مركز الدفاع المدني، مكتب زراعي، بريد، مركز صحي، 10 مدارس ابتدائية (بنين وبنات)، 5 مدارس متوسطة (بنين وبنات)، 4 مدارس ثانوية (بنين وبنات) مدرستان للتحفيظ ابتدائي (بنات)، مدرسة تحفيظ متوسط (بنات)، وأسس فيه (سد) سعة تخزينه مليوني م3. وبعد التنقيب في وادي بيده وجد فيه أكبر كمية من النحاس يتحد مع الزنك والذهب والفضة كما أسس ناد رياضي حمل اسم (نادي بطحان).



منازل قرية الغتامية

وتحفل العديد من قرى بطحان بالآثار القديمة والحصون والقلاع، ومن أشهر تلك القرى «الغتامية» و»جدلان»، والتي مازالت تتميز بالبيوت القديمة والآثار، التي تنم عن عراقة تلك المنطقة، وتغلغلها في عمق التاريج. فتوحي النظرة الأولى لمنازل قرية الغتامية بقيام حياة بشرية عتيقة بداخلها، ومترابطة في كل مناشط الحياة، حيث تنتشر منازل هذه القرية في مستوى منبسط من وادي بيده، ويبلغ طولها من الشمال إلى الجنوب 110م تقريباً، ومن الشرق إلى الغرب 70م تقريباً، وتتميز بتلاصق منازلها وتداخلها، وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى تكوين ممرات ضيقة بين المنازل ساهمت في الترابط الاجتماعي بين السكان وتوفير الأمن في أثناء الحروب، وسوف نناقش خصائص هذه المنازل بدراسة الواجهات الخارجية ثم اختيار أحد المنازل للتعرف بتخطيطه الداخلي.

أما الواجهات الخارجية لمنازل القرية، فتتوافر لها العناصر الدفاعية بكثرة إذا قورنت بقرية الجدلان، ويعود ذلك إلى الموقع المنبسط الذي بنيت عليه تلك المنازل ووقوعها على الطريق العام، ويلاحظ أن الأسطح ترتبط بالحصون مباشرة في طوابقها العليا للمشاركة في الدفاع عن القرية والمراقبة، إذ توجد أبواب في الطابق الخامس من الحصن الشمالي والحصن الجنوبي تفتح على أسطح المنازل وذلك للتنقل بين واجهات القرية.

وتعتبر المداخل في قرية الغتامية مشابهة لقرية الجدلان، إلا أنها تتميز بوجود ثلاث بوابات موزعة في الجهة الجنوبية والشرقية والشمالية، وهي الجهات التي تؤدي إلى الطرق العامة، ويبلغ عرض البوابة الواحدة 2م تقريباً، وارتفاع نحو 2.5م. وهذه البوابات تعتبر المداخل الرئيسة في القرية، ولها أبواب ذات مصراعين، وقد زينت واجهاتها وعبرها بالزخارف الهندسية والنباتية في شرائط طولية وعرضية، كما توجد بين المنازل مداخل فرعية تؤدي عادة إلى الطابق الأرضي في كل مبنى، وهي بعرض يتراوح بين 80 سم و100 سم، وارتفاع بين 1.60م وإلى 1.80م تقريباً، ويمكن الوصول إلى هذه المداخل مباشرة، أما مداخل الطابق الأول فيتم الوصول إليها عن طريق الدرج الداخلي المحصور بين المنازل ، وذلك بعد اجتياز البوابات الرئيسية ، إضافة إلى أن بعض المداخل في الطابق الثاني وظفها المعمار للتنقل بين الواجهات الخارجية للمنازل في أثناء الحروب والصراعات القبلية، وتؤدي تلك الأبواب إلى الرعش الذي يشكل شرفة حول أسطح المنازل.