حرمت الأعراف الاجتماعية السائدة في بعض مناطق المملكة كثير من النساء من حقوقهن في الإرث.. المحرومات من الإرث طرقن أبواب المحاكم الشرعية في بعض محافظات المملكة.. لكن معظم قضايا الميراث المنظورة للنساء تنتهي بالصلح والتنازل بين الورثة.. فيما يتم تكريم المتنازلات - كرهًا وحياء- من قبل الوارثين من الرجال بعد التنازل بمأدبة عشاء.. ويتدخل بعض الوجهاء في قضية ميراث المرأة بالدفع نحو التنازلات التي تتم بطرق ملتوية في شكلها الصوري أمام المحاكم بالبيع أو الهبات ليتم تقاسم الرجال التركة دون النساء، ويتم تصديقها شرعًا.. وللأسف مازالت تلك الأعراف تكرس حرمان الإناث من ميراث الوالدين ومن ميراث أزوجهن بعد وفاتهم.. إذ لايزال العرف القبلي سائدًا بديلًا للشريعة الإسلامية السمحة، التي تحدد إرث النساء بوضوح لا لبس فيه.
«المدينة» فتحت هذا الملف في محاولة لتسليط الضوء على الظلم، الذي تعاني منه كثير من النساء في بعض مجتمعاتنا النائية، التي تستند جورا على الأعراف في قمط حقوق النساء من إرثهن.. مما ترك الآباء والأزواج والأقربون.
عار القبيلة
وتشهد أروقة المحاكم في تلك المناطق قضايا كثيرة لنساء يطالبن طالبن بإرثهن من أشقائهن الذين يعتبرون أن هذه المطالبة بالإرث، وهوحق شرعي (عيب اجتماعي.. بل عار في القبيلة).. وتكون مثل هذه المرأة «منبوذة» من القبيلة وتصل نسبة النساء اللاتي يهملن حقوقهن في الإرث بسبب الأعراف القبلية 95% لأنهن يجدن حرجًا في البوح برغبتهن في الحصول على ميراثهن.. وتفضل الكثيرات من النساء عدم الشكوى للمحاكم لأن القضاء كما يقلن حباله طويلة.
قضية شاهرة ومهرة
تنظر محكمة محافظة سراة عبيدة شرق منطقة عسير قضية شقيقتين «شاهرة ومهرة» ووالدتهما، حيث يطالبن بحقهن الشرعي في تركة والدهما، حيث امتنع أشقاؤهن عن إعطائهن الحق الشرعي من الإرث.. ووصل عدد الجلسات لهذه القضية 15 جلسة لم يبت فيها منذ عام 1428هـ، ولجأت الشقيقتان ووالدتهما إلى دار الحماية الاجتماعية في مدينة أبها لحمايتهن من أشقائهن وهن يعانين من حالات نفسية سيئة بسبب ظروف اجتماعية وعائلية قاسية تعرضن لها بسبب مطالبتهن بحقوقهن الشرعية.. كما أنهن يتهمن أشقاءهن بعضلهن عن الزواج حيث تبلغ الكبرى 50 عامًا وتعمل معلمة اضطرت أن تتوقف عن التدريس، بعد أن لجأت إلى دار الإيواء، فيما تبلغ الأخرى 48 عامًا، وتبلغ والدتهما من العمر 85 عامًا.. ومضى عليهن في الدار ثلاثة أعوام ولم يبت في قضيتهن وتوزيع تركتهن التي خلفها والدهن رحمه الله والتي تقدر بملايين الريالات من عقارات ومزارع وأنشطة تجارية.. بالإضافة إلى صندوق به مال ومجوهرات.
حرب الورثة
«أم خالد» وشقيقاتها من ضحايا تلك الأعراف البالية تقول بحسرة وألم: في قبيلتنا مجرد أن تطلب المرأة حقها الشرعي وميراثها من أشقائها تشتعل الحرب حتى تصل للقطيعة، ولهذا يلازمنا الخوف من التطرق لهذا الحق خصوصًا بالنسبة للنساء لأن الحديث في مثل هذه الأمور يعرضهن للانتقاد والسخرية اللاذعة من قبل أهلهن والمجتمع القبلي.. فالمرأة لدينا إذا طالبت بحقها الشرعي في الميراث قد تحصل عليه، ولكن بعد قطيعة رحم إلى الأبد سواء من أهلها أو من أقاربها، وتضيف: والدي توفي منذ عشر سنوات.. ولديه عقارات وأموال لا نعلم عنها شيئًا.. بينما يقبض أشقاؤنا شهريًا مبالغ خيالية ولم يكتف أحد أشقائنا بذلك بل طالبنا بالتنازل عن العقارات لتصبح له بدون أي مقابل.. عن طريق الهبة.. وبما أننا لانستطيع تحت سيف «العيب القبلي» من اللجوء للمحكمة فأمرنا لله عز وجل.
جاهلية مرفوضة
الأديب محمد بن عبدالله الحميّد عضو مجلس الشورى، ورئيس نادي أبها الأدبي قال في تعليقه على هذه القضية: الشريعة الاسلامية أعطت المرأة جميع حقوقها إلاَّ أن بعض ضعفاء النفوس قد بخسوا بعض النساء حقوقهن في الميراث وهم قليل فنجد البعض لا يورث المرأة في العقار، مدعيًا أنها سوف تدخل عليهم أناسا من خارج الأسرة وهذه مخالفة لأمر الله تعالى.. ويضيف: وخلافا لما كان عليه الحال في الجاهلية، حيث كان الجاهليون يسلبون المرأة حقوقها إذا مات عنها زوجها، وكان الذكور يأخذون أموالها، ويضعون على بيتها «راية بيضاء» ترمز إلى أنها لا تُورّث، ولا تتزوج إلا بإذن إخوة زوجها المتوفى.. بينما الإسلام جعل لها الحق في أن ترث، حقا خالصا لها وملكا من أملاكها تتصرف فيه كيف تشاء.. وأباح لها تنميتها، بنفسها أو بواسطة وكيل توكله، فلا سلطة ولا وصاية ولا ولاية لأحد عليها في أموالها، كما أن لها الحق في التقاضي أمام القضاء حماية لأموالها.
سيف الحياء
من جانبه حذر الدكتور عبدالله بن محمد الحميد بجامعة الملك خالد بأبها وأمام وخطيب مسجد الملك فهد بابها وعضو نادي أبها الأدبي من أخذ المال من غير حق وسلب المرأة حقوقها أو طلب المرأة التنازل، عما كتب الله لها من حق شرعي في الميراث، وقال: إن ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام.. صحيح أن هناك أعرافا قبلية بالمنطقة الجنوبية فمن وافق الدين من هذه الأعراف فهو حلال، ومن خالف الدين فهو حرام، مشيرا إلى أن امرأة شكت للنبي صلى الله عليه وسلم حرمانها حقها من الميراث، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: «لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا» .
اتفاق جائر
ويرى الدكتور غيثان بن على الجريس أستاذ التأريخ بجامعة الملك خالد بأبها.. حرمان النساء من الإرث يثير كثيرًا من التساؤلات والدلالات كونه يتم بمعرفة بعض الوجهاء وأشخاص ضليعين في شؤون القانون والمحاكم الشرعية، ويصادقون على وثيقة تحرم النساء من الإرث، معتبرًا ذلك الاتفاق اجحافًا وجرمًا في حق المرأة.. مشيرا إلى أن حرمان المرأة من ميراث أبيها في بعض المجتمعات القبلية مبني على العادات التي لا تفضل تمزيق الثروة ونقلها من أسرة الأب والأبناء إلى أسرة أخرى.. ولذلك تجد المرأة ترفض نقل الإرث إلى بيت زوجها وتظنه عيبًا فتتنازل لأخوتها عن قناعة، كون هذا فخرا لها لأنها تحافظ على مكانة أهلها.. ويرجع الجريس استمرار هذا العرف في تلك المناطق لتدني الوعي والثقافة وعدم معرفة الأمور الشرعية، وأحيانًا التعصب، إضافة إلى معايير اجتماعية تلعب دورًا كبيرا.
حماية الثروة من الغرباء
ويشير الدكتور عبدالله حامد عسيري جامعة الملك خالد بأبها إلى أن المرأة القبلية تحدها الأعراف القبلية بل وتحرمها من الإرث.. وأحيانًا تُمنع النساء من الزواج من خارج العائلة، خوفًا من انتقال الثروة لأولاد شخص غريب «زوجها».. وأردف: وهذه حالة من الظلم الاجتماعي المخالف للشريعة والقيم الإسلامية، ومناقضة لدستور بلادنا.. لكن الأعراف القبلية ما زالت سائدة، مشددا على ضرورة قيام القضاء بالبت في القضايا التي تصل إليه.. وأضاف: لابد من قيام الدولة والتنظيمات الحقوقية بدورها في التوعية، إضافة إلى أنه لا توجد عقوبة على الرافضين الذين لا يجب السكوت عليهم بهدف حماية المواطنات من هذا الظلم..
وعن دور منظمات حقوق الإنسان قال: لابد أن تناصر قضايا المرأة وتأثير هذه المنظمات لايزال محدودًا، إذ لا تستطيع الوصول إلى تلك المناطق البعيدة، مطالبًا المنظمات والهيئات الحقوقية والتوعوية بالقيام بدورها من خلال عمل برامج توعية بهدف تنوير المرأة بكل حقوقها المشروعة.
مكاتب الطلاق
ويرى الدكتور أحمد بن علي آل مريع الأستاذ بجامعة الملك خالد ورئيس نادي أبها الأدبي أن مكاتب الإصلاح والتوفيق، التي تعمل داخل المحاكم الشرعية تهتم بالطلاق والإصلاح بين الأزواج، ولا تهتم بقضايا الخلافات المالية وحقوق الناس والنفقة والإرث والأوقاف، التي يحصل فيها النزاع الكبير والمشكلات الأكثر..
ثقاف التنازل
أما الناشطة السعودية في مجال حقوق الإنسان الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد فقد انتقدت تثقيف المرأة وتنشئتها، حيث تمت تربيتها- حسب وصفها- على التنازل عن حقوقها وتقديم التنازلات لصالح الرجل.. وهو ما عزته للخطاب الديني المجحف في حق المرأة السعودية.. ووصفت معاناة المرأة السعودية بأنها صعبة للغاية، فهي كما تشير وحسب تجربتها الشخصية لا تستطيع حتى مناقشة أحد العلماء، بدعوى أنها امرأة، والرجال قوامون على النساء.. وأوضحت أن الكثيرين يخطئون في تفسير القوامة بأنها السيطرة على المرأة وسلبها إرادتها، وقالت كيف لرجل ضعيف ربما يكون مدمنا على الخمر ومرتكبا للمحرمات أن تكون له قوامة على امرأة.
استبداد الإخوة
وتضيف سحر بنت عبدالرحمن مشرفة تربوية تخصص علم اجتماع بالإدارة العامة لتعليم البنات: في بعض مجتمعاتنا القبلية إذا طالبت المرأة حقها الشرعي في الإرث اعتبرت في نظر المسئول من إخوانها عدوة.. فبالرغم من عدالة السماء إلاّ أن الأنظمة مقصورة عن متابعة المشكلات وحلها وتركها للناس، فهناك من يأخذه الاستبداد لترك الإرث على حاله، وترك المرأة معلقة.. الواقع لدينا أن نسبة كبيرة من النساء يحرمن من ميراثهن من إخوانهن بسبب استبداد من تسلم الولاية أو الوصاية عليهن أو على الميراث.. وهناك من الفتيات والنساء من لا تعرف ما هو ميراثها سواء أكان مالًا أو عقارًا.. طالما أن الوصي وهو غالبًا الأخ الأكبر، الذي يعتقد أن الميراث مسؤوليته وأنه الأكفأ في إدارته وعليه فلا بد من إجراءات قضائية سريعة وعاجلة للتأكد من أن كل من يتقدم لأي جهة مالية أو قضائية بصفته وكيلًا عن ورثة.. إنه قد قسم الميراث وأعطى كل ذي حق حقه دون تلاعب ومماطلة.. ولابد من تخصيص قطاع في المحاكم أو الإمارة لتقبل هذه الشكاوى وفق اجراءات جديدة لا تتطلب « موافقة ولي الأمر» فكيف سيوافق من هو الظالم.. على أن يحضر إلى القضاء كي يحاسبه قبل أن يحاسب في قبره.
البيع الصوري
المحامي والمستشار القانوني محمد سعيد القحطاني قال: حول هذه القضية أن تنازلات النساء عن حقوقهن موجودة بالفعل، وتتم بطرق ملتوية وغير مقبولة وكثيرا ما تحدث عن طريق «البيع الصوري» والمرأة في بعض مناطق المملكة غافلة عن حقوقها في الإرث.. حيث يتم تقاسم الأشقاء التركة دون أن تحديد أنصبة شقيقاتهم حقهن في التركة.. كأن يقال مثلا « فلانة مع فلان» من إخوتها دون أن يُحدّد لها نصيبها.. ويرجع ذلك الأمر إلى ضعف المرأة وجهلها بحقها الشرعي، كما أن هناك أمرا آخر وهو يضاعف معاناة النساء، حيث يتصرف الرجال في التركة بعد وفاة الموّرث بوكالة من المرأة لأخيها أو عمّها، فيبيع ويقايض ويرهن كما يشاء، وعندما تطلب المرأة نصيبها يقول لها هذا نتاج جهدي وتعبي، ولا يطلعها إلا على مزارع قديمة أو بيوت مندثرة، ويُخفي كثيرًا من التركة بحجة أنه اشتراه.. وغالبًا ما تكون المرأة جاهلة أملاك مورثها..
قضية جنائية
الشيخ سعيد بن فيصل كاتب عدل قال حول هذه القضية: تواجهنا مشكلة كبيرة مع النساء اللاتي يراجعن للحصول على وكالات شرعية أو بيع عقار ومع اننا عادة ما نطلب معرفين اثنين يقران أمامنا بمعرفتهما ويشهدان على ما أقرت به إلا أنه كثيرا ما نكتشف بعد مدة لعلها سنوات أن التي حضرت إلينا ليست المرأة صاحبة الشأن، وذلك بعد أن تتحول القضية إلى قضية جنائية «تزوير» وانتحال شخصية ويطلب منا تزويد الجهة بالتوقيع أو البصمة على الاستمارة الأصلية أو دفتر الضبط.. يحصل ذلك لأن المعرفين « الشهود » يعرفان ولي امرها الذي كان يرافقها « وعرفًا » عليها لثقتهما به أو لمجاملته وتنحصر هذه التجاوزات في وكالات تخول لأحد أقاربها وعادة ما يكون المرافق لها وقت الطلب الاستلام والبيع والقبض والحيازة، خصوصا إذا كان هناك إرث ويرغب بعض الورثة في إخفائه والاستيلاء على الجزء الأكبر منه.. وهناك الكثير من العفيفات ابتلين بأقارب استغلوا أسماءهن بهذه الطريقة واستولوا على أموالهن وحقوقهن من الإرث ومع ذلك سكتن حتى لا يحدثن تصدعا في جدار الأسرة.
“أعراف قبليّة ”.. تحرم المرأة من ميراثها الشرعي
تاريخ النشر: 02 يناير 2014 01:57 KSA
حرمت الأعراف الاجتماعية السائدة في بعض مناطق المملكة كثير من النساء من حقوقهن في الإرث.. المحرومات من الإرث طرقن أبواب المحاكم الشرعية في بعض محافظات المملكة..
A A


