Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

مراكز الدراسات : أزمة فكر أم مال ؟

يوجد نوع من سوء الفهم لدورمراكز الدراسات في العالم العربي التي لم تأخذ حقها من الاهتمام الرسمي على غرار ما هو حاصل في الغرب .

A A
يوجد نوع من سوء الفهم لدورمراكز الدراسات في العالم العربي التي لم تأخذ حقها من الاهتمام الرسمي على غرار ما هو حاصل في الغرب .
فالملاحظ ان معظم الرؤساء في الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية يتحولون عند انتهاء ولاياتهم الى محاضرين في أوطانهم وفي الخارج حيث تتعاقد معهم الجامعات لإلقاء محاضرات عن تجاربهم في السلطة وعن التحديات التي واجهوها ،وتتيح للطلاب الاستفادة من خبراتهم ومرئياتهم .
والملاحظ أيضاً ان كبار المسؤولين في وزارات الخارجية الغربية وفي الأجهزة الأمنية ينتسبون أو يؤسسون ، بعد انتهاء وظائفهم الرسمية مراكز أبحاث استراتيجية تفسح أمامهم المجال لصياغة تقارير وإعداد دراسات معمقة حول الكثير من القضايا التي تشغل العالم والتي غالباً ما تتضمن آراء استشرافية حول المخاطر المستقبلية المحدقة .
أما في العالم العربي فإن مراكز الدراسات ينظر اليها وكأنها عبء لأن الوعي الجمعي سواء على المستوى الرسمي أو على المستوى الشعبي لا يدرك بعد مدى أهمية الدور الذي يمكن لها أن تلعبه لكونها ضرورة وحاجة.
ومراكز الدراسات التي نعنيها ليست تلك الموجودة فقط في العالم العربي بل تلك المتواجدة أيضاً في الخارج والتي تلعب دوراً محورياً كبيراً في نسج افضل العلاقات على أعلى المستويات كما أنها تمثل الصورة المشرقة للعالم العربي لأن مجال حركتها الفكرية يحتم عليها التلاقي مع المثقفين والباحثين والأكاديميين وصنَاع القرار في الخارج ، ولأنها ليست فقط تكون على تماس مباشر مع طروحاتهم ومرئياتهم بل تضع أيضاً أمامهم تصوراتها وتحليلاتها التي غالباً ما تعبَر عن مصالح ومنافع العالم العربي .
وبذلك تكون مراكز الدراسات هذه أشبه بسفارة فكرية غير رسمية تقرَب مساحة الحوار بين العرب والعالم الخارجي ، وتقفل الطريق أمام مثقفين وهميين أسندوا الى أنفسهم مهمة تفسير وشرح قضايا العالم العربي اعتماداً على ما يملكون من علاقات شخصية ذات منفعة ذاتية بحتة وليس اعتماداً على مخزون فكري موضوعي وعلمي يقارب الواقع المعاش ويكون الترجمة الفعلية لهمومه وشجونه .
فالباحث الحقيقي ، والمثقف الفعلي ليس من يحمل " مبخرة " للتعظيم بفلان والتفخيم بعلان ، بل دوره أن يعمل على تشخيص الأوضاع بأساليب علمية وموضوعية ، وأن يقترح الحلول بعد ان يبين حجم المخاطر .. أما التنفيذ فليس من مهمة الباحث بل من مهمة صنَاع القرار .
والمؤسف أن معظم صنَاع القرار العربي الذين لا يعيرون أي أهمية لمراكز الدراسات العربية وينتقدون أنشطتها ، هم أنفسهم الذين يتدافعون للتواصل مع مراكز دراسات غربية رغم أننا لا نبالغ إذا قلنا أننا أدرى نحن العرب بقضايانا وبأوجاعنا وبهمومنا ، وأقدر على تشخيص الداء ووصف الدواء .
ومراكز الدراسات الغربية لم تصل الى المكانة التي تحتلها عالمياً إلا لأنها تحظى بكل رعاية وعناية ويتم مدها بكل دعم ومساندة بينما المراكز العربية مغيبة عن أي التفاتة رسمية من قبل صنَاع القرار في العالم العربي.
ومراكز الدراسات العربية المختصة ليست بحاجة الى هبات أو الى صدقة أو الى تبرع من محسن أو من مقتدر ،وإنما هي بحاجة الى من يقدر لها دورها ويبدي استعداداً للاستفادة من منتوجها الفكري سواء عبر الاطلاع على إنجازاتها أو عبر الإسناد اليها مهمة البحث والاستشراف في موضوع له أهمية في توجهات البلاد والعباد .
فرجل السلطة بحاجة الى دراسات في الملفات التي تستأثر باهتمام الدولة ، ورجل الأعمال بحاجة الى دراسات لمعرفة مصير استثماراته ، والجامعة بحاجة الى دراسات لتنوير طلابها ، والمجتمع بحاجة الى دراسات تستشرف له مستقبله على كافة الصعد ، والعلم بحاجة الى دراسات وأبحاث للتطور والتقدم .
فأين نحن العرب من كل ذلك ، ولماذا نشتكي دائماً أننا متخلفون ، ومن يتحمل مسؤولية هذا التخلف ؟
ما ذنب المثقف إذا كان يحمل على كاهله هموم وطنه وأمته ، وأي خطيئة ارتكب إذا كان قد سخر من أجل ذلك كل خبراته وعلمه وإدراكاته الفكرية ؟
الى متى ستستمر الأزمة بين المثقف والمال ؟ والى متى سنواصل دفن مراكزنا البحثية واحداً تلو الآخر بسبب ضعف الموارد المالية ؟ والى متى ستبقى مراكزنا العربية معتمدة على مبادرات فردية بدلاً من أن تتحول الى مؤسسات لا تقفل أبوابها عند الضيق ، ولا تلغي تاريخها لمجرد أن هناك من لا يبالي ؟
ان العالم العربي غني بالطاقات الفكرية والخبرات الثقافية والقدرات التحليلية ، وما ينقص هو أن نثق بها ، وأن نوفر لها كل متطلبات النجاح ، وأن نمنحها فرصة القيام بدورها لا أن نسألها كل يوم ماذا حققت أو ماذا ستكسب غداً ، لأنها ليست دكاناً لبيع الثقافة لقاء المال بل هي مصنع لإنتاج الأفكار التي تخدم المستقبل ، ومن يربح مستقبله لا يخسر حاضره .
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store