أكد رئيس هيئة علماء الصومال الشيخ بشير أحمد صلاد، أن الصوماليين يعقدون آمالًا كبيرة على عودة الصومال إلى سابق عهده، ومواجهة التشدد والتطرف الذي ينتشر في أرجاء البلاد، فضلًا عن تقوية المقومات الثقافية من خلال نشر صحيح الدين الصحيح.
وقال «صلاد» في حواره مع «المدينة»: إن المشهد الصومالي مضطرب ويمر بفترة تحولات عميقة، فضلًا عن الحالة المأساوية التي تحتاج إلى عقود حتى تندمل جراحها، ويحتاج إلى نشر وسطية الإسلام باعتباره المنقذ الوحيد للصوماليين، في ظل خطابات التشرذم والعنف التي تتنافى مع قيم الإسلام السمحة، بل وتسيئ إلى الدين الحنيف وتدمر هوية الشعب، كل ذلك وغيره في ثنايا هذا الحوار.
كيف تقيمون المشهد الصومالي بعد كل هذه السنوات من الاقتتال؟
الفترة الماضية كانت سيئة للغاية في المشهد الصومالي على المستوى الأمني والاقتصادي والثقافي، وبفضل ابتعاده عن المشهد أصبح الشعب في أزمة ثقافية ومرحلة صعبة، نحتاج فيها إلى الزخم الذي نستحقه، نريد خروج الملف من دول ليس بيننا وبينهم روابط ويعود الملف إلى أصحابه ..الصومال له ثقافته في حاضره ومستقبله، وهو في أمس الحاجة إلى تقوية المقومات الثقافية بالوجود الحسي للمؤسسات الإسلامية، لتخريج وصناعة أجيال صومالية تشارك في الخروج من المأزق الذي فيه الآن، فالبلد بشبابه ومفكريه، وإذا كثر فينا المفكرون تم انتشال الصومال، بالإضافة إلى أن وجود هذه المؤسسات تقوية للروابط بين الصومال والوطن العربي، حيث أن الصومال بمحنته ابتعد كثيرا عن محيطه العربي، وأصبح ملفه متداولًا بين دول الجيران وأصبحت هناك فوارق ثقافية.
تنوع الدعم
وما هو الدعم الذي ترونه مناسبًا في تلك الفترة من قبل المؤسسات الدينية والدول العربية؟
نحتاج إلى الدعم المادي والثقافي ورفع مستوى الوعي ونشر العلم الشرعي، وقد بذل العديد من المؤسسات الدعوية كالأزهر ورابطة العالم الإسلامي وغيرها من المؤسسات في العالم العربي جهودًا كبيرة في رفع ثقافة الشعب الصومالي منذ قديم الزمان، وقد كان دور المملكة في الصومال ومازال منذ عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز، من خلال الدعم المادي والثقافي، والبعثات وتشييد المعاهد الدينية التي ساهمت في تثقيف الناشئة بثقافة إسلامية عالية، وتخريج الدعاة وطلاب العلم، الأمر الذي مكن بعضهم أن يواصلوا دراساتهم الجامعية في بعض الجامعات الإسلامية بالمملكة، ثم عادوا إلى الصومال، داعين إلى الله ومحذرين من التيارات الفكرية المعادية للإسلام والتي وجدت لها حضورا في الصومال نتيجة للغزو الفكري والثقافي الذي اجتاح العالم الإسلامي في القرون الأخيرة، ولا يمكن أن ينسى الشعب الصومالي المنارة العلمية العظيمة التي شيدها الملك فيصل -رحمه الله-، المركز الثقافي الشامل «مسجد الملك فيصل» عام 1976، على أعلى قمة جبلية في مقديشيو تطل على المحيط الهندي وهو الأكبر من نوعه في شرقي القارة الإفريقية، ومازال يفد إليه طلاب العلم والمصلين لتلقي العلوم النافعة، ويعد من أجمل المباني في العاصمة الصومالية، وبني على طراز رفيع المستوى من فن العمارة الإسلامي، كما كان قبل الدمار الذي لحق بالصومال مقصدًا لطلبة العلم الشرعي، حيث كان يحتوي على مدرسة ومكتبة ضخمة، ويلقي فيه كبار العلماء دروسهم الدينية بشكل مستمر.
فتاوى شاذة
لاحظت خلال الأيام القليلة التي مكثتها هنا في الصومال شيوع فتاوى غريبة لا أساس لها في الشرع تنتشر في الشارع الصومال..كيف تواجهونها؟
من أهم أهدافنا توحيد الرؤى بين العلماء أنفسهم وتوحيد الفتوى بما لا يكفر المسلمين ويستبيح دمائهم، وهناك كثير من علماء الهيئة قتلوا بسبب محاربة هذا الغلو والتطرف الفكري، ونحن من جانبنا نحارب هذه الأفكار، وقد عقدنا مؤتمرا مؤخرا بدعوة من الحكومة الصومالية لبحث التطرف الديني وأفكار حركة الشباب، يتحدث عن محاربة هذه الظاهرة في المجتمع الصومالي، ووجدنا أنه من الأهمية بمكان وضع الحكومة خارطة طريق عامة تعيد الأمن لجميع المؤسسات الحكومية والمرافق العامة التي تخدم المجتمع، وباتباع سياسة سلمية تساهم في محو التطرف الديني، وكسب ثقة الشعب لمحاربة التطرف وتعزيز القوات الصومالية والأجهزة الأمنية وإعطائها أوامر لتحسين التعامل مع أفراد المجتمع، وعدم استخدام القوة الحكومية بشكل سلبي، وطالبنا الحكومة الصومالية لمحاربة ظاهرة البطالة المتفشية في صفوف الشباب، وتشكيل قضاء نزيه وعادل، وتوفير الحماية اللازمة للمرأة والطفل، وإنشاء مراكز لتأهيل الأعضاء المنشقين عن حركة الشباب الصومالية، وقد أصدرنا نحن علماء الصومال حكما شرعيا بشأن حركة الشباب باعتبارها فئة ضالة تسعى إلى تضليل الشعب الصومالي، وأفكارها خطيرة على الدين الإسلامي ووجود الشعب الصومالي، وأكدنا علماء الصومال أنه لا يجوز تكفير الحكومة الصومالية وأنها حكومة مسلمة، وطالبنا الحكومة بإنقاذ الشعب منها وطالبنا الشعب لمعاونة الحكومة في محاربة تلك الجماعة ..الشعب الصومالي يعيش صحوة دينية ولديه الرغبة في مناهضة الأفكار المتشددة من خلال وقوف المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، بأفكارها المستنيرة ومنهجها الوسطي للتصدي للأفكار المتشددة والمتطرفة.
محاولات اغتيال
كيف تقيمون هجوم ومحاولة الاغتيال التي تتعرضون لها واستهداف حركة الشباب للهيئة؟
حركة الشباب لا تستهدف العلماء فحسب، بل تستهدف الشعب كله، والرموز القيادية لكل شرائح المجتمع الصومالي، سواء في المجال الاقتصادي السياسي والعلمي والديني، وحتى زعماء القبائل والعشائر، وهذا ينطلق من فكر هذه الجماعة، وهو فكر يهدف إلى التخلص من كل شخص يمكن أن يشكل منافسا لهم، أو عائقا أمام برامجهم وتوجهاتهم، وهو فكر الخوارج الذي استهدف كبار الصحابة والخلفاء الراشدين بوصفهم، وهؤلاء أيضا الذين يسيرون على نهجهم ويكررون ما كانوا يقومون به من قتل لكبار العلماء والدعاة بغية التخلص من هذه الرموز حتى تكون الساحة خالية لهم، فيتصرفون في مصير الأمة كما يريدون.
أطراف أخرى
هل هناك أطراف أخرى خارجية تقف وراء اغتيال العلماء في الصومال؟
في الحقيقة لا أستبعد أن تكون هناك أطراف أخرى، لكن نحن ننظر للأمر من ناحيتين، الأولى أن حركة الشباب هي التي سنت هذه السنة السيئة، وفتحت هذا الباب، وجعلت دماء المسلمين رخيصة تستباح وتنتهك، ووفرت غطاء لكل من يريد أن يعبث بدماء الشعب المسلم المنكوب، وهم يتحملون وزر كل من يغتال، ومعروف أن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، أما الناحية الثانية، فإن هذه الجماعة هي التي تجهر وتعلن عداءها للعلماء، وتصفهم بالخيانة والعمالة والكفر والردة وغير ذلك، فإذا كانوا يحكمون على العلماء بالكفر والردة فهذا دليل على أنهم يستبيحون دماء العلماء، ولا نستبعد أن تكون هناك أياد أجنبية تستغل بعض هؤلاء الشباب لتصفية العلماء في الصومال، والكثير من الحركات السرية مخترقة وأعضاؤها غير معروفين, فهذا هو السبب الذي يجعلنا نحمل هؤلاء المسؤولية عن جميع الاغتيالات.
كيف تردون على اتهام حركة شباب المجاهدين للكثير من العلماء بالتخلي عن الفكر الجهادي ومهادنة الأعداء؟
أصلا مسألة الجهاد والتعامل مع الأعداء تتعلق بالسياسة الشرعية، وينبغي ألا يتولاها إلا العلماء الراسخون، والإدارة التي تختارها الأمة وتفوض أمورها إليها, وهي أمور قابلة للأخذ والرد، والتقديم والتأخير، فيمكن للأمة أن تقاتل وتحارب مرة، وتسالم مرة أخرى وتقدم عدوا على عدو, فكان ينبغي لهذه الجماعة أن تنضم إلى صف الأمة ورؤية كبار العلماء وأهل الحل والعقد، فقرار حركة الشباب استهداف دولة ما لا يلزمنا, وعليهم العودة إلى فتوى العلماء، لأن مواجهة عدو ما تحتاج إلى فتوى شرعية وقرار صادر من جهة مختصة، وما داموا هم ليسوا أهل فتوى فجميع اجتهاداتهم وتصرفاتهم تقع خارج الوصف الشرعي، لذلك نحن لم نداهن الأعداء ولم نتنازل عن مبادئنا، ولم نفرط في مصير أمتنا، وإنما نحن نقرر ما نراه هو المصلحة والأنفع لأمتنا، وتشهد لنا الأمة بذلك، وهي معنا بعلمائها وبكبار مفكريها ومثقفيها، وهؤلاء الشباب مجموعة قليلة تتصرف بعيدا عن إجماع الأمة.
فساد حركة الشباب
ولكننا نسمع أن هناك الكثير من الشباب ينضم إلى هذه الحركة ..بماذا تفسر ذلك ؟
حركة الشباب استفادت من فرص كثيرة، منها أن البلد كان مدمرا ولم تكن فيه إدارة قوية، وكان مرتعا خصبا للتدخلات الخارجية والتأثيرات الإقليمية والعالمية، فاستطاعوا أن يسلطوا الضوء على هذه الأمور، ويجندوا الكثير من الشباب بناء على أن البلد تحت الاحتلال ومستهدف، كما استفادوا من عدم وجود برامج تستقطب الشباب، وتوفر لهم ما يحتاجونه من وظائف وتعليم، مع انتشار البطالة والجهل، وفي الحقيقة فإن هذا المجتمع الذي عاش عقدين من الزمن دون حكومة فاعلة، تجنب الكثير من المشاكل بفضل العلماء، المستهدفون من قبل الكثيرين داخل البلاد وخارجها، حيث يسلط عليهم الأضواء ويوصفون بأوصاف غير لائقة، وينسب إليهم ما لا علاقة لهم به, وأخيرا جاءت هذه الهجمة الشرسة من قبل حركة الشباب.
مرجعية للبلد
ما هو دور هيئة علماء الصومال فيما يحدث في الصومال ؟
هيئة علماء الصومال قامت لكي تكون منبرًا علميا ودعويا للشعب الصومالي الذي كان يعاني من غياب الكثير من المؤسسات الضرورية، ودائما كانت الهيئة تعبر عن وجهة نظرها فيما يدور من الأحداث داخل البلد، وما يتعلق بالموقف السياسي فالهيئة عبرت عن تأييدها واستبشرت خيرا بقدوم الحكومة الجديدة، ونحن دائما مع قيام دولة في هذا البلد تحاول أن تعيد له وجوده وتبحث عن مقوماته وتجمع شتاته، ومعها أيضا بالنصح والتذكير، وتأييدها فيما توفق فيه، ونصحها فيما تخطئ فيه كما يقتضي منهج أهل السنة والجماعة، كما نؤيد الحكومة في سعيها لإقامة دولة صومالية قوية تخدم البلد.
وما هي البرامج التي تتبنوها لتصحيح مسار الخطاب الديني في الصومال؟
في الحقيقة نحن نسعى لأن تكون هناك مرجعية للبلد، مرجعية دينية صحيحة ملتزمة بمنهج السلف الصالح ومنهج أهل السنة والجماعة الذي هو الاعتدال بعينه، فنحن نجحنا في تكوين هذه الفكرة، وفي رفع هذه الراية التي مقياسها هو الالتزام بعقيدة أهل السنة والجماعة، ولاسيما في التعامل مع الآخرين فيما يتعلق بإلقاء الأسماء والألقاب والأحكام على الآخرين وفي النظرة تجاه الآخرين، نجحنا في تكوين هذا المنهج المعتدل، ومن وسائلها في تكوينه وفي تفعيله المشاركة في التوعية عبر وسائل الإعلام، والجلوس مع أصحاب الفكر الخاطئ أو كل من يميل إلى فكر متطرف ومنحرف، لأن الانحراف يكون في الإفراط ويكون في التفريط، فنحن لا نريد إفراطا ولا تفريطا، والأمر والخير وسط كما هو منهج أهل السنة والجماعة، وما نسعى أن تكون هناك مظلة تجمع كل العلماء، ونحن هيئة تجمع نخبة كبيرة من العلماء، وهناك علماء آخرون لا ينتمون إلى أي مجموعة، ونحن نسعى لأن يشارك الجميع في خدمة الإسلام والمسلمين، وأن يشارك الجميع في تكوين أرضية مشتركة، لأن البلد بحمد الله يشترك في مقومات كثيرة، فالناس كلهم مسلمون ومن أهل السنة والجماعة بمفهومها العام بحمد الله تعالى، فهذا المفهوم العام يسعنا، وما عدا ذلك من الأمور التي قد يكون فيها شيء من اختلاف الآراء فمجالها مجال التصحيح والنصح ومجال الاستفادة والإفادة.
بشير صلاد: حركة “الشباب” فئة ضالة تعيدنا إلى فكر “الخوارج”
تاريخ النشر: 31 يناير 2014 03:51 KSA
أكد رئيس هيئة علماء الصومال الشيخ بشير أحمد صلاد، أن الصوماليين يعقدون آمالًا كبيرة على عودة الصومال إلى سابق عهده، ومواجهة التشدد والتطرف الذي ينتشر في أرجاء البلاد، فضلًا عن تقوية المقومات الثقاف
A A


