عُرف المحامي عبر العصور، بأنه الدوحة الوارفة التي يستظل بظلها كل مكتوٍ بحرارة الظلم ومن سلبته الحياة حقًا، وكلُّ من سُدَّت أمامه منافذ الأمل جميعُها، إلا منفذ العدالة والقانون المتمثل في باب المحامي المفتوح لكافة الباحثين عن الحقيقة، لإدراكهم أنه الجهة المناسبة لمواساتهم وعونهم على نوازل الزمان، وسيجد موكلوه من نذر نفسه لخدمتهم وتسخير تجاربه وعلمه، لتشخيص أوجاعهم للإلمام بأسباب معاناتهم وتفاصيلها، والشروع في تجهيز الدواء الشافي المتمثل في (المرافعة وما تضمنته من حيثيات) تعين المحكمة على تحقيق العدالة، فما أشبه ذلك المحامي الذي يعمل بجدٍ لانتشال موكله من جُب الظلم، بالطبيب المداوي الذي يسخر قدراته ليعيد لمريضه العافية، ومع ذلك لوحظ في الآونة الأخيرة أن اللغط قد كثر، وتحول إلى شكوك لا مبرر لها في مصداقية بعض المحامين، لدرجة اهتزاز الثقة في علمهم وخبرتهم بسبب ما يطلبونه من أتعاب، يوافق عليها موكلوهم ويستصغرونها في بادئ الأمر، ويرون أنها معقولة وملائمة لما ستسفر عنه من إحقاقٍ للحق، وعندما ينجلي الأمر نرى نوعين من الموكلين، فتارةً نرى الحامد الشاكر والمقدر للجهود التي بذلت، وتارة أخرى نشاهد من يتأسى على ما قدم من أتعاب حتى ولو جاء الحكم لصالحه، فإذا به يلعن مهنة المحاماة، ويصف المحامي بالمماطلة والمراوغة والحيلة، بل يرميه بالجهل وبأنه لا يفهم من القانون شيئًا، وأحيانًا يصرح بأن الدعوجي يفوقه خبرة بالعدالة وعلمًا بالقانون، وما علم أن كثيرًا من هؤلاء المحامين الذين ظلمهم لا يتقاضون أجرًا على كثير من القضايا، كالتي تخص الأصدقاء والأقارب، وأحيانًا تعاطفًا مع ظروف الموكل، فضلًا عن عميل يدفع المقدم ويتناسى المؤخر، وبما أن المحاماة مهنتي والمحامين زملائي، فلا بد أن يعلم الجميع أن ما ذكرته ليس تحيزًا لهذا الوسط الذي أنتمي إليه، إنما هي الحقيقة والواقع، وحتى أكون أكثر صدقًا فأنا لا أبرئ مهنتنا من السقطات والزلات، ولا أدعي لها الكمال، فهي كأي وسط آخر لا تخلو من أفرادٍ يحيدون عن جادة الطريق، ما دام يديرها العنصر البشري غير المعصوم من الخطأ، ومع ذلك فالعزاء أن لكل جهة رقيبًا يرصد أداءها ويحاسب المتجاوزين في تنفيذ النظم التي تحكم مسيرة العمل، وكل من يشذ مهنيًا، وهذا أمر طبيعي لا يرقى إلى درجة القدح في حق المحامين والافتراء عليهم دون تمييز ولا تحديد، فمن ينصفنا من هذه الهجمات الجائرة؟ وهل أصبح المحامي محتاجًا إلى محامٍ؟! نعم يلزمنا أن نسمع كلمة أهل الضمير الحي، ليُذكِّروا كل متشكك صعوبة إجازة شهادة المحاماة، إنها تبدأ بعد تخرجه في الجامعة بالتدريب لعدة سنوات لدى مكتب محام مرخص، ثم يقيّد اسمه لدى إدارة المحامين لمتابعته ورصد تدريبه من خلال تقارير يرفعها المكتب للإدارة، لتعتمدها اللجنة المعتمدة من معالي وزير العدل، ناهيك عن الدراسات العليا في القانون والدورات القانونيـة المتخصصة التي يحصدهـا المحامي ليكون على مستوى مسؤوليـة المهنـة كأداة مساعدة للعدالة والقضاء.. ألا يشهد هذا المشوار الطويل الشاق للمحامي بالقدرة والكفاءة؟.. أتمنى تأسيس لجنة أو هيئة رسمية للمحامين أسوة بهيئـة المهندسين السعوديين وغيرهـا من المهن الحرة المختلفـة التي توليهـا قيادتنا الرشيدة الاهتمام والرعايـة لقناعتهـا بأهميتهـا.. وخاصـة ونحن نعيش مشـروع الملك عبدالله لتطوير مرفق القضاة، والمحاماة جزء مهم من هـذه المنظومـة القضائيـة، وسنظل دومًا نستمد قوتنا من الحق والعدل والقانون، وهدفنا أولًا وأخيرًا كشف الحقيقة المعينة للقاضي، حتى يقول كلمته وفق أسس مبنية على العدالة ومخافة الله. لكي لا يحتاج المحامي إلى محام زميل يدافع عن حقوقـه.
هل يحتاج المحامي إلى محامٍ؟!
تاريخ النشر: 27 أبريل 2014 01:59 KSA
عُرف المحامي عبر العصور، بأنه الدوحة الوارفة التي يستظل بظلها كل مكتوٍ بحرارة الظلم ومن سلبته الحياة حقًا، وكلُّ من سُدَّت أمامه منافذ الأمل جميعُها، إلا منفذ العدالة والقانون المتمثل في باب المحامي ا
A A


