عنوان مقالي مجتزءٌ من بيت شاعر العربيَّة أبي الطَّيب المتنبِّي الذي قال:
أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَا سَرْجُ سَابِحٍ
وخَيْرُ جَلِيسٍ في الزَّمَانِ كِتَابُ
الكتاب رمز المعرفة، وشعار العلم، وسبيل الوصول إلى العلياء والمجد، وكلَّما أَمْعَنَ النَّظر فيه القارئ المثقَّف أدرك أنَّه غذاء الرُّوح وزاد الفكر، ونور العقول والأفهام، وبدونه يظل المرء في فراغ لا يُسَد، وللقدماء قصصٌ وأخبارٌ عن حُبِّهم للكتاب والسَّهر في قراءته أو كتابته وتنقيحه، والحرص على أن يستعير الإنسان ما عند غيره من الكتب التي بحوزته، فينسخها ويسهر في قراءتها وحفظها، بل ويجد في ذلك الكتاب نعم الجليس وخير الأنيس، يرفع عنه تكالب الهموم، ويُنحيِّ عنه جانبًا من النَّظرات القاتمة للحياة، ويواسيه في ما يعرض له، ويؤنس روحه بالأحاديث الممتعة والقصص المبهجة، والطّرف الممتعة، والحكايات المسليَّة العذبة، ولذا دقَّق أحمد شوقي على هذا المعنى اللَّطيف في بائيَّته الشَّهيرة :
أَنا مَن بَدَّلَ بِالكُتْب الصِّحَابَا
لَم أَجِدْ لي وافِيًا إِلاّ الكِتَابَا
صَاحِبٌ إِنْ عِبتَهُ أَو لَم تَعِبْ
لَيسَ بِالواجِدِ لِلصَّاحِبِ عابَا
كُلَّما أَخْلَقْتُهُ جَدَّدَني
وَكَساني مِن حُلى الفَضْلِ ثِيَابَا
صُحبَةٌ لَم أَشْكُ مِنها رِيبَةً
وَوِدادٌ لَم يُكَلِّفني عِتَابَا
ولا يبعد هذا التَّصوُّر البديع عمَّا رسمه أبو الطَّيب المتنبِّي للكتاب من إلباسه رداء الجليس الصَّادق الوفي، الذي تطمئن إليه النَّفس، وتستودع بين دفَّتيه الأسرار، وتُنال منه الحكمة البديعة التي تضيء الدُّروب:
خيرُ المُحادِثِ والجليسِ كتابُ
تَخْلُو به إن مَلَّكَ الأصحابُ
لا مُفْشِيًا سِرًّا إذا استودعته
وتنالُ منه حكمةٌ وصوابُ
أما عليَّ بن هارون بن يحيى فلا يرى هناك من يؤنسه، ويقدِّم له الحكم والفوائد تتهادى إليه أجمل من دفتره الذي يحوي المعارف والحكم والآداب، ولذا فهو لا يُؤثِر عليه أحدًا من أصدقائِه ومعاصريه:
إِذا ما خَلَوتُ مِن المُؤنِسينَ
جَعلتُ المُحدِّثَ لي دَفتَري
فَلَم أَخلُ من شاعرٍ مُحسِنٍ
ومن مُضحكٍ طيّب مُنْدِرِ
ومن حِكَمٍ بين أثنائِها
فوائدُ للنَّاظرِ المُفكِرِ
وفي شعر صفي الدِّين الحلي وأحمد بن بسكويه وأبو الفتح البستي حديث ممتع عن الصَّديق الوفي، والجليس الأنيس، والمسامر الممتع، وهي من تجليات الأدباء الذين سامروا الكتاب وأنسوا به فنهلوا من معين المعرفة والحكمة والآداب.
خَيْرُ جَلِيس
تاريخ النشر: 23 مايو 2014 02:41 KSA
عنوان مقالي مجتزءٌ من بيت شاعر العربيَّة أبي الطَّيب المتنبِّي الذي قال:
أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَا سَرْجُ سَابِحٍ
وخَيْرُ جَلِيسٍ في الزَّمَانِ كِتَابُ
A A


