Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

ثقافة الإتقان المنشودة

الفوارق بين "الحضارة" المعاصرة في البلاد العربية والإسلامية عموماً، وتلك التي تعد من بين دول العالم المتقدم كثيرة ومدعاة للتأمل والاعتبار، إحدى أهم تلك الفوارق ما يمكن أن يطلق عليه ثقافة الإتقان "إتقا

A A
الفوارق بين "الحضارة" المعاصرة في البلاد العربية والإسلامية عموماً، وتلك التي تعد من بين دول العالم المتقدم كثيرة ومدعاة للتأمل والاعتبار، إحدى أهم تلك الفوارق ما يمكن أن يطلق عليه ثقافة الإتقان "إتقان العمل والحرص على جودة المخرجات والمنتجات"، وكفى الجودة والإتقان أهمية ومكانة أن وصف خالق الكون ومن فيه وما فيه نفسه العلية بها فقال تعالى: (صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه)، وقال عنها نبينا وقدوتنا محمد -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).
والإتقان ولا غرو يدخل في كل قول وعمل صالح لعمارة الأرض وهو مطلوب من الجميع سواء أكان من قبل الفرد أو من قبل فريق العمل أو المؤسسة، فهو مطلوب في التعليم وفي التدريب وفي الصناعة وفي الزراعة وفي الطب والعلاج، وفي كل مناشط الحياة الإيجابية، وبه تتحسن حياة الناس في هذه الحياة الدنيا، ولك أن تتفكر؛ هل كان الناس سيقبلون مثلاً على السفر جواً لو علموا أن طائرات النقل الجوي سيئة التصميم رديئة التصنيع مخلخلة المتانة، وأن طواقم الملاحة والتشغيل قليلو العلم والمعرفة بعلوم الطيران وضعيفو التدريب؟!.
يتداول الناشطون في وسائل التواصل الاجتماعي مقطعاً لفريق عمل من رجال الصيانة في ألمانيا وهم يقومون بإصلاح تلف لحق بأحد الطرقات، وعجباً يرى المرء من مستوى المهنية والإتقان في إنجاز تلك المهمة مما يضمن بقاء الإصلاح لسنوات قادمة، بالمقابل فإن حفر الطريق وإصلاحاته لا تدوم إلا لسويعات في الكثير من طرقاتنا وما تلبث أن تعود كما كانت وزيادة.
يحن البعض إلى ثقافة الإتقان في كل شيء التي سادت فيما يحب البعض أن يطلق عليه مصطلح الزمن الجميل حتى في فنجان الشاي الذي يُقدَّم للضيف أو لرب الأسرة، كان معد الشاي يحرص على حسن إعداده، وكان البناء يفتخر وكذلك النجار والحداد... الخ بجودة صنعته، والتي كثيراً ما كانت تدوم وتدوم منفعتها بعد رحيل صانعها لدهر طويل، وليس كما هو حال كثير من منتجات ومخرجات العمل التي يمكن أن يطلق عليها منهجية: (طبطب وليّس يطلع كويس) لكثير من منتجات هذا الزمان التي لا تصمد لأكثر من أيام معدودات، وأحياناً قد تتلف قبل وصولها للبيت.
والإتقان ثقافة تكتسب وتغرس في النفوس والسلوكيات منذ الصغر، يتعاون على غرسها البيت والمدرسة والإعلام والبحث العلمي الهادف، فهي في حقيقتها توجه اجتماعي عام وسياسة عليا للدول، وتحتاج إلى جهود إدارية وخطط إستراتيجية ومعايير لإحداث نقلة نوعية قابلة للقياس، وهي لذلك جنباً إلى جنب مع التقنيات الصاعدة والبحث العلمي الهادف أحد أهم أسلحة التنافس الاقتصادي العالمي.
يجب علينا أن ندرك بأن لا ارتقاء تقني أو علمي أو اجتماعي يمكن أن نحققه دون نشر ثقافة الإتقان وجودة العمل والمنتجات ومخرجات العمل وتحسينه في كل الظروف والأحوال من خلال استنهاض الهمم والعودة بالناس إلى القيم الإسلامية الأصيلة في الإحسان والإتقان لإعادة تشكيل سلوك العاملين كقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من أخذ الأجرة حاسبه الله على العمل).‏ فإذا استطعنا أن نبتعث قِيَم الإتقان‏ والجودة وتقدير المسؤولية‏، فإن التقدم الذي يمكن أن يحرزه العاملون في كافة المجالات سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح لتشكيل سلوك العاملين وأدائهم في كافة مجالات الحياة‏.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store