يقع في العرصة الصغرى من وادي العقيق بالقرب من الجامعة الإسلامية، وهذه العرصة (أي: منحنى وادي العقيق) كانت إلى وقت قريب واحة غنّاء تغطيها النخيل والأشجار بمختلف أنواعها، ولتوضيح أهمية الموقع ونفاسته وقيمته عند من يحبّ أرض المدينة ويعرفها تمام المعرفة نورد قصة معاوية رضي الله عنه عند شرائه قصر سعيد بن العاص، فإنه لما دنا أجله وكان سيدًا فاضلًا سخيًا قال لابنه عثمان: إذا أنا متُّ فعليَّ دين ثلاثة ملايين أرجو أن تقضى من خالص مالي. فقال عثمان لوالده: لايوجد من خالص مالك ما يكفي لذلك، فقال سعيد لابنه: إذا ذهبت لأمير المؤمنين معاوية وعرضت عليه القصر ودوره ومزارعه سوف يشتريها منك بما تريد؛ لأنه يعرف نفاسة هذه الأرض. فلما توفي الشيخ سعيد ذهب ابنه عثمان إلى معاوية بالشام، فلما قيل له عثمان بن سعيد يستأذن قام فزعًا، وقال: توفي والله سعيد. فأذن له فلما دخل وسلّم أخبره بما على الشيخ من ديون وأوصى أن تقضى من خالص ماله: فقال معاوية رضي الله عنه : اشتري منك قصره بمليون ودور القصر بمليون ومزارع القصر بمليون، فوافق عثمان، فقال معاوية: أسرع يا كاتب بالدواة والقلم وأكتب قبل أن يندم الرجل، فلما أعطاه المال خرج يودعه ولم يمض معه كثيرًا وقيل: إنه رجع عنه مخافة أن يندم.

وقد بنى سعيد بن العاص هذا القصر عندما كان واليًا على المدينة في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله سنة 48هـ إلى 55هـ ، وأبعاد القصر كما يلي: طوله نحو 36 مترًا، وعرضه نحو 27 مترًا وارتفاع أطلاله الباقية نحو 9 أمتار، وسمك جدرانه 76 سم وطوله وعرضه المذكوران إنما هما بضم الأقسام المتساقطة منه إليه. وقد بني القصر بالأحجار الجرانيتية والجص، واستخدم الطوب المحروق في بعض أجزائه، ويدل تخطيطه وعناصره الزخرفية على تطور فنون العمارة في المدينة المنورة في ذلك الوقت.وربّما أعيدت بعض جدرانه في وقت من الأوقات، وتخلو الجدران من الكتابة والرسومات، وإنما توجد في بعض أروقته ونوافذه نقوش على الجص وزخرفة بالطوب المجصص، وقد أورد الكاتب هذا القصر ليدل على نفاسة الأرض وقيمتها بطيبة الطيبة من بداية تاريخها، وقد وصف القصر من قبل بعض الرحالة حيث ذكره البتنوني في رحلته: «وكان هذا القصر في أيام صاحبه آية في جماله وفخامته، بل كان آية من آيات القرن الأول الهجري وأعجوبة من أعاجيبه، حتى فضله الشاعر على أبواب جيرون (دمشق) التي كانت في ذلك العهد عاصمة الخلافة، ومكان فخامتها وأبهتها .والشاعر الذي يقصد الرحالة البتنوني هو أبو قطيفة عمر بن الوليد بن عقبة حيث يقول في قصر سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص:

والقصرُ والنَّخلُ فالجمَّاءُ بينهما

أشْهى إلى النّفس من أبواب جيرونِ

إلى البلادِ فما حازت قرائنه

دور نزحن عن الفحشاء والهون

كما اشتهرت العرصتان: العرصة الصغرى و الكبرى من عرصات وادي العقيق (الجزع) قال الشاعر:

لعمرك للبلاط وجانباه

وحرة واقم ذات المنار

فجماء العقيق فعرصتاه

فمفضي السيل من تلك الحرار

إلى أحد فذي حرض فمبنى

قباب الحي من كنفي صرار

أحب إليّ من ريح وبصري

بلا شك علي ولا تمار

ومن قربات حمص وبعلبك

لو أني كنت أجعل بالخيار

وقال آخر:

ليت شعري وأين منّي ليت

أغيّر العهدُ يلبن فبرام

أم كعهدي العقيق أم غيرته

بعدي الحادثات والأيام

ولحيّ بين العرصتين وسلع

حيث أرسى أوتاده الإسلام

ولمتانة بناء قصر سعيد وتجصيصه بالصفة المذكورة له تأثير كبير في بقائه إلى هذا اليوم، ونظرًا لمجاورة قصر الإمارة يأمل الكاتب أن تبعد الزراعة التي حوله وكذلك الماء؛ لأن ذلك يؤثر على أساساته، كما يأمل أن يحجز بأي طريقة ويفتح له بابٌ إلى الخارج.