يعد بيت نصيف بجدة التاريخية أحد المعالم الحضارية البارزة في المنطقة، إذ يشكل جزئية من منظومة التراث العمراني التي شهدت توحيد المملكة العربية السعودية وتأسيسها على يد الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه- وتنبع خصوصية هذا البيت العريق أن أقام به الملك المؤسس عندما دخل جدة في عام 1344هـ واتخذه سكنًا لمدة عشر سنوات وكان يستقبل فيه الضيوف والأعيان، مما يؤكد عراقة هذا البيت وأصالته التي جعلته موضع اهتمام الدولة في الفترات المختلفة، حيث قامت بشرائه في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله- من المالك، وصدر أمر ملكي بتسليمه لأمانة جدة. وتحول الآن إلى متحف تشرف عليه الهيئة العامة للسياحة والآثار ويستقبل زواره بشكل يومي.

تأسيس بيت نصيف ومكوناته



تم بناء البيت الذي كان يملكه الشيخ عمر نصيف - رحمه الله-، في عام 1298هـ، وتم تشييده بتصميم معماري محلي رائع يحمل سمات وعناصر العمارة المحلية التي تعكس الهوية الوطنية بأبعادها المختلفة، وقد روعي في تصميمه توافر العناصر الجمالية وكل احتياجات السكن المحلي بما في ذلك تخصيص أدواره وغرفه والمساحات الفراغية، ومواقع الشبابيك والأبواب والرواشين.

وتبلغ مساحة بيت نصيف 900 متر مربع، ويتكون من أربعة أدوار، تضم أربعين غرفة، حيث تم تخصيص الدور الأول منه لاستقبال الضيوف، والدور الثاني لضيافة الضيوف، والدور الثالث للأسرة، بينما خصصت أماكن في الدور الرابع للجلوس لا سيما في الفترات المسائية في فصل الصيف، كما يوجد به حمام تركي ومكتبة للاطلاع والثقيف، كما تميز بسعة الدرج الداخلي ورحابته لتسهيل حركة من يسكنه وزواره نزولًا وصعودًا.



بيت النصيف في العالمية

مثل بيت نصيف أحد العناصر التي أسهمت في إدراج جدة التاريخية قائمة التراث العالمي بعد موافقة لجنة التراث العالمي لليونيسكو في دورتها الثامنة والثلاثين والتي انعقدت في دولة قطر، مؤخرًا، حيث جاء إعلان اللجنة العالمية بدخول جدة بوابة التراث العالمي، وقد حققت ذلك النجاح نتيجة جهود متصلة لحماية تراثها وتطويره عبر شراكة مميزة وفاعلة بين عدد من الجهات الحكومية وفي مقدمتها الهيئة العامة للسياحة والآثار وأمانة جدة، ومحافظة جدة، والتي عملت على تنفيذ مشروع متكامل للمحافظة على منطقة جدة التاريخية وتطويرها، وتهيئتها كموقع تراث وطني. وقد بلغت جدة، والتي تحتضن بيت نصيف، مصاف المواقع العالمية عن استحقاق تاريخي وحضاري، فضلًا عما حظيت به من رعاية متكاملة من الدولة منذ فترة مبكرة، إذ جرى تأسيس شبكات الخدمات بجميع أنواعها وإنشاء المرافق الحكومية، وإصدار نظام الآثار عام 1392هـ الذي كفل الحفاظ على جدة التاريخية لاحقًا، ونفذت الدولة - رعاها الله- عبر مخططات مدروسة، مشروعات عدة توجت بمشروع ضخم بميزانية تجاوزت 80 مليون ريال للرصف والإنارة بأسلوب يتماشى مع قيمتها التاريخية والحفاظ على مبانيها التراثية ونسيجها العمراني التاريخي، كما استمر اهتمام الحكومة بمنطقة جدة التاريخية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي أولى الموقع أهمية خاصة في إطار عنايته بالتراث العمراني في كافة مناطق المملكة، كما تم تشكيل لجنة عليا لتطوير جدة التاريخية برئاسة الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة سابقًا، ونائب اللجنة الأمير سلطان بن سلمان، رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، والتي انبثقت عنها لجنة تنفيذية برئاسة الأمير مشعل بن ماجد، محافظ جدة وعضوية الدكتور هاني أبوراس أمين المحافظة مما انعكس إيجابيًا في الاعتمادات المالية المتزايدة لمشروعات جدة التاريخية التي تهدف إلى المحافظة على المنطقة وتنميتها وجعلها موضع اهتمام أمراء منطقة مكة المكرمة، على مختلف فتراتهم.



الشيخ محمد نصيف

هو محمد بن حسين بن عمر بن أبي بكر بن محمد نصيف، ووالدته هي فاطمة بنت أشرف أفندي بن يوسف بن عثمان، ولد في مدينة جدة في سنة 1302هـ، وتوفي في الطائف في عام 1391هـ، ليدفن في جدة، مات والد الشيخ محمد نصيف وهو ما زال صغيرًا فكفله ورباه جده عمر نصيف، فشبّ الشيخ محمد مولعًا بالكتب والقراءة، للحد الذي وصفه في أمين الريحاني بأنه يمثل دائرة معارف ناطقة، كما أنه كان معروفًا بالكرم والسخاء وبمتابعة ما يصدر من كتب جيدة ويوزعها على العلماء والمثقفين، ويتميز بحرصه على المنهج السلفي، وله كتابات متعددة منها ما نشر في مجلة المنار بمصر، وكتاباته ومخاطبته المصريين للاهتمام والعناية بجمعية الدعوة والإرشاد ومدرستها وبفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.