لكل أجل كتاب، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، هكذا حان أجل د. سليمان الرحيلي، وهو يمارس السباحة في منزله في دقائق، فلله الشكر في السراء والضراء، فقد رحل في منتصف ليلة 7/9/1435هـ، 3/7/2014م بعد عمر حافل بالعطاء والذكر الحسن.
أعطى للتاريخ حتى صار اسمًا مميزًا بين المؤرخين، وهو الذي قال في كتابه الذي ألفه لطلابه بعنوان "موجز منهج البحث التاريخي" التاريخ علم الملوك وأبو العلوم، إذ لا تجد حاكمًا ناجحًا إلا قرأ التاريخ واستقرأ أحداثه، وأفاد من دروسه وأحواله في إدارة دولته، ولا تجد علمًا إلا له تاريخ، ولا حاضرًا إلا للتاريخ أثر فيه، ولا مستقبلًا إلا للتاريخ إسهام فيه وصناعة له.
عمل أستاذًا للتاريخ، لم تشغله عنه عمادة تولاها ولا مجالس كان عضوًا فيها. وسيرته مليئة بالأعمال لكن التاريخ ظل هواه: ألفّ فيه، ودرّس، وبحث، وقام بزيارات ميدانية، وفتح منتداه الذي أسسه في المدينة المنورة منذ انتقاله إلى جامعة طيبة من جامعة الإمام في الرياض قبل عشر سنوات، حضرت آخر جلسة وكان المحاضر د. علي النملة - حفظه الله- وقد ختم د. سليمان الجلسة بقوله: هذا ختام العام العاشر من المنتدى، ونلتقي إن شاء الله في العام القادم غير أن ما أراده الله خلاف ذلك، وتوقف منتدى أثرى الثقافة في المدينة.
عندما انتقل إلى المدينة المنورة ركز جهده على السيرة النبوية، ولم يلجأ إلى تكرار ما ذكره من سبقه بل عني بتتبع طرق غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وتحديد طرقها حول المدينة وعني بالمواقع خارجها وداخلها، ومن أبرز ما نشر في ذلك كتابه "الطريق النبوي إلى بدر: معالم وعبر" وقد سلكه مستعينًا بأهل الخبرة من أهل الديار، وكان كتابًا مميزًا، ربط الماضي بالحاضر، مما دعا الأستاذ حمد الجاسر إلى كتابة عرض له، أثنى فيه على جهده، ويسهل تصور الطريق من خلال الخارطة التي نشرها، فضلًا عن التعريف بالمواقع قديمًا وحديثًا، وكان له جهد مميز في تحقيق الكتاب" التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة للمطري" ومثله بحثه "نار الحرّة دراسة تاريخية" وغيرها مما ألقاه في المؤتمرات والندوات ومنها ما لم ينشر.
صحبته مع عدد من الزملاء قبل عدة شهور في زيارة ميدانية لعدد من المواقع التاريخية غرب المدينة المنورة في قرية السيالة وبئر الروحاء، وفي وادي النازية ووادي الصفراء وقد أفدت منه كثيرًا في التعريف بالمسالك النبوية، وقبل سنوات في رحلة إلى روضة خاخ وغيرها فكان الخبر بتلك المواقع وقد خسر التاريخ أستاذًا مميزًا في هذا الحقل.
ليس المجال سيرة ذاتية لهذا الراحل الكبير فمؤلفاته كثيرة، ولم تقتصر على المدينة المنورة، لكنه أثرى الساحة التاريخية في تاريخ المدينة عنما أقام فيها، وصرف وقته لها، أما صفاته فقد كان عالمًا مؤرخًا صريح الرأي دون تشدد أو مجاملة، لطيف التعامل مع زملائه وأصدقائه، كريمًا، محبًا لمساعدة الآخرين دون غمط لحق آخر وغيرها من الشمال الإنسانية والأخلاق الكريمة.
رحم الله د. سليمان فهو ممن يفقدون إذا غابوا، ويبكون إذا رحلوا، وتذكر محامدهم العلمية والشخصية، وهؤلاء هم العلماء، يرحلون جسمًا ويبقى علمهم وذكرهم الحسن، رحمه الله، وبعثه من البقيع ممن يبعثون بلا حساب، وشفع فيه سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم.
د. سليمان الرحيلي.. مؤرخ معالم السيرة
تاريخ النشر: 07 يوليو 2014 03:09 KSA
لكل أجل كتاب، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، هكذا حان أجل د.
A A


