ذات يوم كتبت "في الحارات القديمة تبرز الرواشين الخشبية. ترى النقوش. تتساءل أي فنان الذي حفرها؟ تمر بيدك لتلمس الخشب الذي تعاقب عليه الليل والنهار. وتعاقبت عليه الريح الحارة في يوم ’’أزيب‘‘ فأيبسته. أو غمرته في يوم آخر برطوبة البحر بللته. تمضي يدك تتحسس الخشب الجاف المتشقق. تبرز شوكة منه لتنغمس في باطن راحتك. تسترجع يدك. تقرِّبـها من عينك تحت المصباح القديم لتخرجها. تعود إلى رشدك وهدوئك. ليست هذه حقيقة. لقد كان كل ذلك حياة كنت تعيشها في الذاكرة!
كانت الحارات تلتصق ببعضها. من الصعب معرفة حارة البيت الذي ولدتَ فيه، أهو في حارة المظلوم أم حارة اليمن. قال لي والدي ـ رحمه الله ـ إنني ولدتُ في حارة اليمن .. في ذلك البيت. عندما كبرت أصبح أحد أصدقائي عمدة حارة اليمن. كنت حينها أسكن في أحد أحياء شمال جدة. عندما زرت الحارة قلت له: أنت عمدتي. قال: كيف وأنت تسكن في شمال جدة؟ قلت: لقد ولدتُ في ذلك البيت. قال: للأسف لست عمدتك. ذلك البيت على الحد الفاصل بين حارة اليمن وحارة المظلوم. أنت ولدت في حارة المظلوم."
عادت ذاكرة جدة في هذا الشهر الفضيل. وأتحفته بـ"رمضاننا كدا" بعد أن استعادت شخصيتها المنسية في العام الماضي بـ"كنا كدا". وكل تلك الفعاليات ما هي إلا من درجة العشق الكبيرة التي تفيض بـها قلوب المحبين من أهلها ومن غير أهلها. أعتذر فجميع من عشقوها هم أهلها وإن تباعدت مساكنهم عنها.
اليوم أصبحت جدة القديمة إحدى مدن التراث الإنساني العالمي الواجب محافظة العالم كله عليها وليس نحن فقط. فشكراً لكل من أحبها وأوصلها إلى هذه المنزلة السامية.
لم تعد الرواشين حزينة
تاريخ النشر: 20 يوليو 2014 01:43 KSA
ذات يوم كتبت "في الحارات القديمة تبرز الرواشين الخشبية. ترى النقوش. تتساءل أي فنان الذي حفرها؟ تمر بيدك لتلمس الخشب الذي تعاقب عليه الليل والنهار. وتعاقبت عليه الريح الحارة في يوم ’’أزيب‘‘ فأيبسته.
A A


