استوقف بعض قطّاع الطرق، قطيعًا بشريًّا هاربًا يبحث عن ملاذ آمن، ثم سألوهم بغلظة ظاهرة: أنتم معانا.. ولاّ مع التانيين؟! تردد أفراد القطيع البشري الخائف، وتلفتوا يمنة ويسرة يفتشون عن جواب ينجيهم من ويلات القتل، ثم خرج من بينهم مَن ظنوا أنه واسع الحيلة طليق اللسان، قائلاً: «إحنا معاكم.. معاكم».. فجاءته الإجابة المزلزلة من رئيس جماعة قطع الطريق: «إحنا التانيين»!!
هذه النكتة «الكابوس» رواها لي الصديق الأستاذ عبدالله العمري قبل سنوات، وبقدر ما أضحكتني مرارًا، بقدر ما أبكاني انطباق حال الضحايا فيها، على حال الغالبية في عالمنا العربي، تلك الكثرة العددية الحائرة بين هؤلاء وبين أولئك، والتي يسقطها حظها العاثر غالبًا في قبضة «التانيين».
الناس في العالم العربي حائرون بين الانحياز للممكن، وبين الإصرار على طلب المستحيل، حائرون بين حرية حملت معها كل صور الفوضى، وبين استبداد رأوا معه كل ألوان البطش، بين أوطان صانت وحدتها صيغ في الحكم تجاوز الزمان أغلبها، وبين شظايا أوطان بعثرتها رياح فوضى ظن من أشعلوها أنها «بناءة»، حائرون بين تاريخ للإنسانية قاد أوطانًا نراها اليوم «متحضرة وديموقراطية» عبر صراعات بين سلطة دينية جسدتها الكنيسة، وبين سلطة زمنية حملتها رياح التغيير والتطوير إلى مقاعد الحكم، عبر آليات شاركت الأغلبية في وضعها، واختارت نمط الحياة، وصيغة الحكم، ومنهج الإدارة طبقًا لها.. وبين تاريخ لهم بدأ مع الفتنة الكبرى بقتل ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان، حتى بلغ محطة فتنة أكبر نشهد أحدث تجلياتها اليوم في حرب غزة.
الذين ظنوا في دول ما يُسمّى بـ»الربيع العربي» أنهم أمسكوا بتلابيب حلم الدولة الحديثة لحظة الإطاحة بالمستبد، استيقظوا على كابوس، حل فيه «التانيين» محل المستبد.
الأول الذي أطاحوا به، أو مَن مازال برسم الإطاحة، كان مستبدًا باسم «عصرنة» لا تأتي أبدًا بعدما حجبها ظله الثقيل، و»التانيين» الذين ركبوا رياح الثورة، استدعوا أسانيد الاستبداد وحججه من السماء، حيث لا يريد البسطاء دفع استبدادهم، ولا يستطيعون حتى إن هم أرادوا.
ثنائية «نحن» أو «الآخرين» لا تزال حاكمة في المشهد العربي على نحو مرهق حتى لقوى التاريخ ذاته، وما الانقسام المرعب حول ما يحدث في حرب غزة سوى أحد أعنف تجليات تلك الثنائية، فلم يحدث في أي وقت أن انقسم العرب حول فلسطين كما هم الآن، ولم يحدث في أي وقت أن «احتار» بعض العرب في الانحياز لفريقين أحدهما إسرائيل، إلاّ في تلك الحرب التي تدور رحاها الآن، فقد كان الانحياز دومًا إلى جانب أي طرف عربي ما دامت إسرائيل هي الطرف الآخر، أمّا ما تعكسه مشاركات عربية على مواقع التواصل الاجتماعي، بل وحتى تغطيات إعلامية عربية لوقائع ما يجري في غزة، فهي تفضح مأزقنا الحقيقي، وتكشف عن طبيعة العوار الذي لا أملك شجاعة الادّعاء بأننا قد «أصبنا به»؛ لعلمي أنه «عيب خلقي» ولد معنا، أو أصابنا فيما كانت حضارتنا لم تتجاوز بعد طور صباها.
الانقسام الحاصل يرجع في تقديري إلى الاصرار على ثنائية «نحن» و»التانيين»، التي ترجع بدورها، إلى ثنائيات من نوع إمّا «الدنيا»، وإمّا «الدين»، بينما الدين هو في جانب مهم منه «دستور» لإدارة علاقة حسنة ومثمرة بين الإنسان وبين الدنيا.. تلك الثنائية قادتنا لاحقًا إلى تأزيم الدنيا، وتقزيم الدين، ثم إلى تسييس الدين، وتديين السياسة، فيما تظل الكتلة الحرجة من شعوبنا أسيرة رؤية هي أقرب إلى الأسطورة منها إلى الحقيقة، تلاحق المستحيل، ويفلت من بين أيديها الممكن. ولأن المستحيل «مستحيل» فهو لا يأتي أبدًا، ولأن أحدًا لا يريد الذهاب إلى الممكن فنحن لا نصل إليه أبدًا.. أو أننا نصل متأخرين في أفضل الأحوال، بعدما يكون الممكن قد تآكل، وطاله المسخ، وبات القبول به مذمومًا في الأرض وفي السماء.
الحيرة في شأن حرب غزة هي إذن أحد تجليات الخلط المريض بين الحقيقة وبين الأسطورة، بين الممكن وبين المستحيل، بين سياسة لا تملك سوى التعامل مع كل ما هو نسبي، وبين دين لا يتعاطى إلاّ مع كل ما هو «مطلق»، وبسبب التيه العربي بين النسبي والمطلق، تنقسم المواقف العربية في السياسة فتصبح خيارات جامدة بين الأبيض والأسود، يجسد فيه الأبيض الخير المطلق، والأسود الشر المستطير، وهي تصورات خارج إمكانات السياسة، وفوق قدرة الشعوب على الإمساك بتلابيبها.
لا أزعم أنني أستطيع إنهاء تلك الثنائية «العاجزة» بمقال واحد، ولا حتى ببضعة كتب، لكنني وبرغم اختلاف في العمق مع حركة حماس، أجدني في قلب فلسطين التي تسكن سويداء قلبي، وقلب كل عربي مخلص، ولهذا أقول لكل عربي يتردد في دعم شعب غزة في حربه الدائرة الآن ضد الاحتلال.. وبمنطق الحساب، بعيدًا عن المشاعر والتعاطف الثقافي، أو العرقي، أو الديني، أو المذهبي، إن كل ضربة في إسرائيل أيًّا كان مصدرها تصب في صالحك.. كل قذيفة تسقط فوق إسرائيل هي رمية لك بغير رامٍ.. كل هزّة لنظرية الأمن الإسرائيلي هي تعزيز لأمنك الشخصي، وأمن أبنائك من بعدك، كل لحظة ضعف تنتاب إسرائيل، هي لحظة قوة تُضاف إلى رصيدك، كل تآكل لشرعية إسرائيل هو تعزيز لشرعيتك، كل تقويض لصورة إسرائيل أمام العالم هو تعزيز لصورتك أمام العالم، كل تشكيك في أحقية إسرائيل في استخدام القوة ضد شعب غزة هو تعزيز لحقك في استخدام القوة لدفع عدوانها عنك، كل ما يخصم من رصيد إسرائيل في أي شيء، يصب في رصيدك بكل شيء.
للأسف، لم أكن أظن، وأنا أحد أبناء جيل «الحلم العربي» أن أستيقظ ذات صباح على كابوس أراني فيه أحاول إقناع بعض بني جلدتي من العرب بأن اسرائيل هي العدو الأصيل، وبأن ما عداها هي خصومات عارضة، مصدرها الجهل، أو الطائفية... والاستسلام البليد لثنائية نحن أم «التانيين»؟!
الفتنة الكبرى.. معانا ولاّ مع «التانيين»؟!
تاريخ النشر: 25 يوليو 2014 02:06 KSA
استوقف بعض قطّاع الطرق، قطيعًا بشريًّا هاربًا يبحث عن ملاذ آمن، ثم سألوهم بغلظة ظاهرة: أنتم معانا.. ولاّ مع التانيين؟!
A A


