Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

إدارة الأشلاء وإرادة الأشياء!

ربما لا يرى البعض أن ما يحدث في غزة متصل بالملف النووي الإيراني، وما يحدث في سوريا وفي العراق متصل بانتخابات رئاسية في تركيا تعيد هيكلة النظام السياسي التركي، وتضع في سدته خليفة يمتلك طموح الخلافة الإ

A A
ربما لا يرى البعض أن ما يحدث في غزة متصل بالملف النووي الإيراني، وما يحدث في سوريا وفي العراق متصل بانتخابات رئاسية في تركيا تعيد هيكلة النظام السياسي التركي، وتضع في سدته خليفة يمتلك طموح الخلافة الإسلامية وان افتقد عمامة قد تجعل تسويق الفكرة أيسر لدى شعوب جرى تحنيط أحلامها وتجميد معارفها قبل بضعة قرون، غير أن قراءة المشهد من علٍ بعين الصقر، تجعل إدراك الروابط ممكناً، والتعامل معها واعياً ومحققاً.
دعوت قبل ثلاث سنوات من هذا المكان الى محاولة للفهم، بنظرة طائر لا برؤية زاحف، وتمنيت أن نتخلى كعرب عن النظر الى الأشياء بعين الدودة، وأن ننظر لها ولو مرة واحدة بعيني صقر، تستطلع المشهد كله، وتدرك العلاقات بين أجزائه، وتقرر بعدها الى اين تتجه وبأية سرعة ووفق أي توقيت، لكن الأمور وتداعياتها في المنطقة مضت سراعاً بأكثر مما اعتادت مؤسسات القرار العربي على الفعل أو حتى على التلقي ورد الفعل، ولهذا بدت أغلب التحركات العربية ردود أفعال عاطفية في أغلبها، يحركها الغضب، أو الخوف، أو الميل للثأر، بأكثر مما تحركها حسابات دقيقة، في توقيتات صارمة، باتجاه أهداف محددة سلفاً.
متابعة ما يحدث في العراق منذ سقوط بغداد في ربيع 2003 في قبضة القوات الأمريكية وحتى سقوط الموصل قبل أسابيع في قبضة تنظيم داعش، تشير الى أن ثمة قطراً عربياً قيد التقسيم على قاعدة عرقية أو مذهبية أو طائفية أو دينية، دون أن تلوح في الأفق بادرة فعل عربي جاد لتجنيب العراق ويلات التقسيم، التي تقطع تصريحات الرئيس الامريكي أوباما بأن ثمة تحركاً باتجاه فرضه كواقع جديد، يكرس لخارطة جديدة للإقليم كله، تعتمد القاعدة المذهبية أو الطائفية او العرقية منطلقاً له، فالرئيس أوباما الذي تقوم طائراته الآن بعمليات قصف محدودة وممنهجة، حدد هدف أعمال القصف بأنها لـ "وقف" تمدد داعش باتجاه أربيل "الكردية"، وللحيلولة دون سقوط بغداد"التي يسيطر عليها الشيعة" في قبضة تنظيم "سني" شديد التطرف، كذلك فقد أقر أوباما بأن ثمة قصوراً "معلوماتياً" لدى واشنطن بشأن مقدار قوة داعش، وبأن التصدى لـ "الدولة الاسلامية" في العراق سوف يتطلب وقتاً طويلاً، أي أن على شعوب ودول المنطقة أن تهيىء نفسها للتعايش مع فكرة وجود "دولة إسلامية متطرفة في شمال العراق، لمدى زمني غير معلوم.
وبينما تشهد مفاوضات الملف النووي الايراني بين طهران ومجموعة 5+1 جدالاً يحتدم حول ما يسمى بحقوق إيران النووية وكذلك حدود دورها الاقليمي، تبدو حرب غزة من جهة، ومعركة الاطاحة "سياسياً" برئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، مناسبتين هامتين لرسم حدود الدور الاقليمي لإيران من جهة، ومحاولة تقليص دور ما تبقى من النظام الإقليمي العربي في سياسات الشرق الاوسط والمنطقة العربية من جهة أخرى.
استراتيجياً.. أعلنت أمريكا قبل سنوات وجهتها الاستراتيجية الى الشرق الاقصى حيث النفوذ المتصاعد للصين التي تهيأت فيما يبدو للاضطلاع بدور قائد في محيطها الاستراتيجي على الأقل، وأخذت أهبتها لاعتلاء مقعد القوة الاولى بحلول 2020 طبقا لما يعلنه قادة بكين، وفي هذا السياق الاستراتيجي، قد ترى واشنطن أن زمن احتواء طهران قد ولى وان ثلاثين عاماً من القطيعة معها قد حان وقت إنهائها، بل ان شراكة استراتيجية أمريكية- ايرانية قد تبدو خياراً مناسباً، وربما ممكناً خلال سنوات مقبلة،للجم طموحات روسيا "بوتين" من جهة، ولإطالة أمد الهيمنة الأمريكية على ادارة شؤون النظام الدولي من جهة أخرى.
وفي هذا السياق السابق ذاته يمكن ادراك الخيط الرفيع بين الأزمة في أوكرانيا مثلاً وبين الأزمات في المنطقة العربية، حيث يجري مخطط صناعة "الأشلاء" وإدارة "الأشياء" مستثمراً توابع ما سمى بـ" الربيع العربي" الذي تحول لاحقا الى آلية لتمزيق وتفكيك دول عربية بعينها، اتجهت الظنون لدى صناع الاستراتيجية الغربية الى إمكانية ان تقود الى صياغة شرق أوسط جديد، تتقاسم النفوذ فيه ثلاث دول غير عربية( ايران- تركيا- اسرائيل)، لولا أن استيقظ الجهاز المناعي للنظام الاقليمي العربي في الوقت بدل الضائع، بتحرك شعبي في مصر أسقط "زمن الاخوان" بضربة استباقية مبكرة، ووجد تجاوباً ودعماً واعياً وحاسماً من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
النجاحات المحدودة التي أمكن تحقيقها في الملفات العراقي واليمني والليبي وقبلها جميعاً الملف المصري، منحت النظام الاقليمي العربي "قبلة الحياة" مجدداً واتاحت إمكانية النظر مجدداً الى ما يحدث في الاقليم بعين الصقر لا بعين الدودة وبنظرة طائر، لا برؤية زاحف.
قراءة الصورة، والفهم الدقيق لها، وامتلاك رؤية، وبناء خطة وحشد قدرات وإمكانات قوى الفعل العربي لإنجازها، بدائل لم يعد النظام الاقليمي العربي يملك ترف التباطؤ في تبنيها والتفاعل الجاد معها، من أجل وضع نهاية لمخطط يستهدف إدارة الأشلاء العربية
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store