Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

سميح القاسم.. الذهاب إلى الموت بهامة مرفوعة

No Image

اعتدت أواسط الستينيات انتظار والدي- يرحمه الله - عصر كل يوم عائدًا من عمله في إذاعة صوت فلسطين، صوت منظمة التحرير الفلسطينية من القاهرة لأتلقف منه حزمة الكتب والصحف والمجلات، التي كان يعود بها من ع

A A

اعتدت أواسط الستينيات انتظار والدي- يرحمه الله - عصر كل يوم عائدًا من عمله في إذاعة صوت فلسطين، صوت منظمة التحرير الفلسطينية من القاهرة لأتلقف منه حزمة الكتب والصحف والمجلات، التي كان يعود بها من عمله في 4 شارع الشريفين وسط البلد.. وكانت المفاجأة ذات يوم عندما اطلعت لأول مرة على شعر محمود درويش قبل أن يقدمه لنا رجاء النقاش وينقلنا إلى عالم جديد في الإبداع: شعر المقاومة.. ولم يمض طويل وقت حتى فوجئت بشاعر آخر لا يقل إبداعًا في هذا النوع من الشعر، الذي اعتبره جنرالات إسرائيل بأنه سلاح أمضى من البندقية.. واكتشفت في تلك الأيام أن هناك - في الأرض المحتلة - لونًا جديدًا من الأدب يولد في الناصرة وعكا والجليل: محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، راشد حسين، سالم جبرا، إميل حبيبي، حنا أبو حنا وغيرهم.
تزامن وفاة سميح القاسم بعد معاناة مع المرض العضال لأكثر من ثلاث سنوات مع الذكرى السادسة لوفاة محمود درويش (تقريبًا) تفتح المجال أمامنا لكي نتطرق إلى رحلتهما الشعرية عبر المسيرة الوطنية التي جمعتهما معًا في إطار ما يعرف بشعر المقاومة الفلسطينية الذي شكل ظاهرة وطنية لافتة وتجربة شعرية متفردة وسلاحًا جديدًا في مواجهة المحتل الغاصب.
وقد فرضت معركة البقاء والصمود والمقاومة على الشاعرين فقاتلا وقاوما بصلابة منقطعة النظير حتى أثبتا الحقيقة، التي أصبحت الآن تشكل ركيزة في ملحمة النضال الفلسطيني: المقاومة موقف حضاري، وهي شعر الحياة والبقاء والنصر، فأنت عندما تقاوم وتستشهد تنتصر حتى بعد موتك..
سلاح جديد

في اعتقادي، فإن شعر المقاومة الذي دشنه محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد يعتبر مرحلة جديدة في تطور الشعر العربي الحديث، أو بمعنى آخر مرحلة ما بعد نازك الملائكة والسياب والبياتي وصلاح عبدالصبور، وإن كان لا يخلو أيضًا من التأثر بلوركا وناظم حكمت وت.س.إليوت .
وقد شهد شعر المقاومة دفعة جديدة بعد أن أصبح يعني شعر المنافي وأيضًا شعر الانتفاضة ليضم تحت مظلته مجموعة رائعة من الشعراء الفلسطينيين، إلى جانب شعراء الأرض المحتلة أمثال: معين بسيسو، جبرا إبراهيم جبرا، المتوكل طه، تميم البرغوثي وغيرهم.
وأدب المقاومة رواية وقصة ومسرحية ومقالة وشعرًا هو أيضًا أدب الغضب الفلسطيني. وكم نحن مدينين إلى هذا النوع من الأدب، وبشكل خاص شعر المقاومة، لأنه أغنى الأشعار وأصدقها وأكثرها قدرة على تجسيد معنى الشعر الذي يقاوم القهر والكذب واختطاف الأوطان وسرقة الإنسان والأرض والتراث، ولأنه يخاطب الإنسانية جمعاء، وأيضًا لأنه خدم القضية الفلسطينية وقدم الوجه الحضاري والنضالي للشعب الفلسطيني في أبهى صوره، فحفظه الصغار والكبار وتغنى به الثوار، وأصبح نشيدًا تترنم به الأجيال:
منتصبَ القامةِ أمشي
مرفوع الهامة أمشي
في كفي قصفة زيتونٍ
وعلى كتفي نعشي
وأنا أمشي وأنا أمشي....
قلبي قمرٌ أحمر
قلبي بستان
فيه العوسج
فيه الريحان
شفتاي سماءٌ تمطر
نارًا حينًا حبًا أحيان....
في كفي قصفة زيتونٍ
وعلى كتفي نعشي
وأنا أمشي وأنا أمشي....
توأمان شعريان
كان سميح التوأم الشعري لمحمود درويش، مثلما كان موزار توأم بيتهوفن في الموسيقى الكلاسيك، فكان من الصعب التفرقة بين قصائدهما منذ أن بدأ نجمهما يصعد في سماء الشعر العربي الحديث.
وقد يكون من قبيل المصادفة موت سميح في نفس الشهر الذي مات فيه درويش قبل 6 ست سنوات (شهر أغسطس) لكن هناك أيضًا العديد من القواسم المشتركة بين الشاعرين اللذين شكلا قطبي شعر المقاومة الفلسطينية. فقد عاشا معًا في بيئة واحدة، وكان عليهما أن يواجها الحاكم الصهيوني المتجبر بقصيدة من نوع خاص، وأن يقاوما معًا أدوات قمعه، وأن يقفا في وجه محاولاته طمس الهوية العربية لفلسطيني الناصرة وحيفا والجليل والنقب بما في ذلك طمس الأسماء العربية للمدن والشوارع، ومحاربة اللغة العربية وتهويد المناهج. وكان الشاعرين يشعران إنهما عربيان أولًا وقبل أي شيء. يقول درويش في قصيدة الصدمة الأولى التي عشقناها جميعًا:
سجل
أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون ألف
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
فهل تغضب..
ويعلن سميح القاسم تشبثه بعروبته أيضًا إنما بشكل آخر:
عربي بسيط أنا
وأحب جميع الأمم
رغم كل الألم
عربي أنا وأريد السلام رغم ما كدسوه
على كاهلي
واستفزوا به معصمي
واستساغوا به كاحلي
قاسم آخر بينهما، هو المشترك الفني في شعرهما بمكوناته الجمالية والملحمية والغنائية والميثيولوجية والتراثية. كما أن كلا الشاعرين تغنيا بالمرأة، تارة كرمز للوطن، وتارة أخرى للمرأة العربية المناضلة، وتارة ثالثة للمرأة باعتبارها رمز الجمال والحب والخصوبة والحياة وهو ما تجسده هذه الأبيات لسميح:
للجميلات أغني
ونساء الكون
في عيني جميلات
ولا تخطئ عيني
لفلسطين أغني
وأغني
وأغني للحياة
بالطبع فإن قاسم الإبداع هو القاسم الأكثر حضورًا عند الشاعرين، وإذا كانت «جدارية» درويش سيدة قصائده
(his masterpiece)، فإنه يمكن اعتبار قصيدة «أنا متأسف» لسميح أجمل قصائده:
إلى الله أرفع عيني
أرفع قلبي وكفي يارب حزنا حزنت
وأرهقني اليتم
وأهلكت النار زرعي وضرعي
بكاءً بكيت
ويممت وجهي إلى نور عرشك يارب...

تميز سميح
استطاع القاسم بتمسكه بعروبته وبهويته الفلسطينية تخطي حاجز الطائفية بامتياز- وهو حاجز لم يكن بطبيعة الحال يعترض درويش في مسيرته الوطنية- عندما قاوم محاولة إسرائيل إحداث الشق في البنية الوطنية الفلسطينية داخل الخط الأخضر من خلال محاولة إسرائيل دمج الدروز الذين ينتمي إليهم، في المجتمع الإسرائيلي وفرض التجنيد الإجباري عليهم، وهو ما تصدى له بحزم بدءًا من موقفه الشخصي برفضه التجنيد والتصدي لمخطط إسرائيل تمزيق النسيج الوطني والاجتماعي والثقافي لعرب 48، ثم بتحريضه أبناء جلدته بأن يحذو حذوه، الأمر الذي عرضه للاعتقال أكثر من مرة. فكان ولاؤه لعروبته ولقضيته مثلما كان الأمر نفسه في ولاء عجاج نويهض وكمال جنبلاط للعروبة وللقضية الفلسطينية.
وظهر الاختلاف بين الشاعرين أول ما ظهرعندما قرر درويش السفر (1971)، في الوقت كان سميح يفاخر ببقائه فى الوطن ويأخذ على محمود درويش ذلك الخروج (غير المبرر). لكنهما ظلا على تواصل عبر تبادل قصائد المقاومة، ثم في أواسط الثمانينيات عبر تبادل الرسائل التي نشرت فيما بعد في كتاب.
وبالرغم مما كان يبدو وكأنه خلافًا بين الشاعرين، إلا أن درويش ظل يعني لسميح، وحتى الرمق الأخير «الأخ الذي لم تلده أمه» والأخ الذي يفضله على نفسه:
وما أنت كسرى ولا أنت قيصر
لأنك أعلى وأغلى وأكبر
وأنت الوصية
وسر القضية
يمكن القول أيضًا إن سميح كان أكثر تواضعًا وأكثر قدرة على التواصل مع الناس البسطاء وأقرب إلى الدعابة والفكاهة من درويش. وأذكر بهذا الصدد ما قاله لي ذات مرة د. شاكر النابلسي بأنه طلب من الناقد الكبير الاستاذ رجاء النقاش أن يجمعه بمحمود درويش في منزله (منزل النقاش)- رحمهم الله جميعًا- ليقدم له كتاب «مجنون التراب»، فما كان من درويش إلا أن تناول الكتاب (الهدية) ووضعه جانبًا، ووصف لي أبا فارس كيف جعله ذلك يصاب بما يشبه الصدمة في مشاعره.
كان سميح حاديًا في قافلة شعر المقاومة منذ نهاية الخمسينيات وحتى لفظ أنفاسه الأخيرة يوم الثلاثاء 19/8/2014 – يرحمه الله - .. رحل القاسم وتيتمت فلسطين مرة أخرى، رحل قبل أن يكتب قصيدة غزة تاركًا المهمة لشاعر فلسطيني آخر يولد من رحم المقاومة الباسلة في القطاع.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store