عنوانُ المقالِ جزءٌ من شطرِ بيتٍ للشَّاعرِ أبي تمام، أمَّا كامل البيت:
قدْ ينعم الله بالبلوَى وإنْ عظمتْ
ويبتلِي اللهُ بعضَ القومِ بالنعمِ
وعلَى هذا فمن الأعداءِ مَن تودّ لو تشتريهِ بمالكَ وسعيكَ -حسب صديقِي عباس محمود العقاد- إذَا أنتَ افتقدتهُ فلمْ تجده من حولكَ، ومن حقَّك أنْ تشترِي العدوَ الذي لا يعاديكَ إلاَّ حسدًا على نعمةٍ، فليسَ أسوأ حالاً من إنسانٍ علَى حالةٍ لا يُحسدُ عليها، وليسَ من الخيرِ اتّقاءِِ حسده بخسارةِ نعمتكَ.
إنَّ أعداءَ النّجاح هم بالكثرةِ بحيثُ لا يُحصون، فقديمًا كان للنَّجاحِ أعداءٌ، وللنَّاجحينَ حسدةٌ، وعلى قدرِ ما تقدّم من نجاحاتٍ يكون النَّقدُ الموجَّه لكَ؛ فالذين لا يُحسدون هم فاشلونَ!!
ومَن أرادَ النَّجاحَ فليكنْ أهلاً للنَّقدِ، وأهلاً للمثبّطين، وأهلاً لكثرةِ المغرضين؛ لأنَّ النَّاجحَ لا يكترثُ قليلاً أو كثيرًا بما يصدرُ منهم، إلاَّ بالقدرِ الذي يدفعهُ إلى مزيدٍ من التَّقدمِ، شاقًّا طريقهُ إلى الغايةِ التي يرتئيهَا.
يقولُ (ديل كارنيجي):" كثيرٌ من الناسِ يجدونَ في اتّهام شخصٍ يفوقهم ثقافةً، أو مكانةً، أو نجاحًا، مثال ذلك أنَّني تسلَّمتُ رسالةً من سيدةٍ تصبُّ جامَّ غضبِها على جنرال وليم بوث مؤسسِ جيشِ الإخلاصِ.
ويكملُ (ديل كارنيجي) كنتُ قبل ذلك قد أذعتُ حديثًا في الراديو أمتدحُ فيه الرجلَ، وأثني على جهودِهِ، وقد كتبتْ إليَّ السيدةُ تقولُ: إنَّ الجنرال بوثا اختلسَ ثمانية ملايين دولارٍ من المساعداتِ التي جمعهَا للفقراءِ والمساكينَ".
والحقُّ -والحديثُ لا يزال لـ(ديل كارنيجي)- أنَّ التهمةَ سخيفةٌ، وهذه المرأة ما كانتْ تستهدفُ الواقعَ؛ وإنَّما كانت تبغِي النَّيلَ من رجلٍ عظيمٍ، رجل أرفعُ منها بمراحلَ، وقد ألقيتُ برسالتها في سلةِ المهملاتِ، وحمدتُ اللهَ على أنَّي لستُ زوجَ هذه المرأةِ. فإنّ الرسالةَ لم تزدني علمًا بالجنرال (بوث) كما تبغي كاتبتُها؛ وإنَّما زادتني علمًا بالكاتبةِ نفسِها.
ويحكي (ديل كارنيجي): "قابلتُ ذاتَ يومٍ (جنرال سيمدلي بتلر) الملقب بشيطانِ الجحيمِ، والمعروفِ بأنَّه من أحزمِ القوادِ الذين تعاقبوا على البحريةِ في الولاياتِ المتحدةِ، فأخبرني أنَّه كانَ صبايًا طموحًا إلى الشهرةِ الواسعةِ، والجاهِ العريضِ، وقوةِ الشخصيةِ، لهذا كانَ يضيقُ بأقلِّ ما يوجه إليهِ من نقدٍ، ويهيجُ لأتفهِ ما يمسُّ الكرامةَ والكبرياءَ.
غيرَ أنَّ الأعوامَ الثلاثين التي قضاهَا في البحريةِ غيّرت طباعَه، وجعلتهُ أمنعَ من أن ينالَ منه النقدُ، قالَ لي: لطالما ذقتُ صنوفًا من الإهانةِ والإذلالِ، وطالما رمُيت بأنَّي كلبٌ عقور، وحية رقطاء، وثعلب مراوغ.
ولطالما لعنني خبراء في فن الشتم فلم يدعوا مقذعًا من ألوان السّباب إلاّ رموني به!!.
فهل تراني ألقيت بالاً إلى ذلك كله؟ كلا.
ولو أنَّني سمعت اليوم واحدًا يسبني لما حولت نظري إليه لأعرف من عساه يكون.
وحقٌ علينا في ختام هذه المقالة أن نكرر-ونحن صادقون- ما قال به (لنكولن)، حيث يقول: "لو أننَّي حاوّلت أن أقرأ فقط لأردّ على ما وجّه إليَّ من نقدٍ؛ لشغل هذا وقتي كله، ولعطّلني عن أعمالي!!
ولكنني أبذل جهدي في أداء واجبي، فإذا أثمرت جهودي فلا شيء من النقد الذي وجه إليّ يهمني بعد ذلك: إنّه سيختفي من تلقاء نفسه.
أمّا إذا خاب مسعاي فلو أقسمت الملائكة على حسن نيّتي ما أجداني هذا فتلاً، حسبي فيما يتصل بآراء الناس أنّي أدّيت واجبي وأرضيت ضميري.
فاصلة:
يقول (شوبنهاور):" ذوو النفوس الدنيئة يجدون المتعة في البحث عن أخطأ رجل عظيم".
قدْ ينعم الله بالبلوَى
تاريخ النشر: 19 سبتمبر 2014 05:49 KSA
عنوانُ المقالِ جزءٌ من شطرِ بيتٍ للشَّاعرِ أبي تمام، أمَّا كامل البيت:
قدْ ينعم الله بالبلوَى وإنْ عظمتْ
ويبتلِي اللهُ بعضَ القومِ بالنعمِ
A A


