(1)
الوطنيَّةُ تأتي بمعنَى حبِّ الوطنِ Patriotism في إشارةٍ واضحةٍ إلى مشاعرِ الحبِّ والارتباطِ بالوطنِ، وما ينبثقُ عنها من استجاباتٍ عاطفيَّةٍ، أمّا المواطنةُ Citizenship فهي صفةُ المواطنِ، والتي تحددُ حقوقَهُ وواجباتِه الوطنيةَ، ويعرفُ الفردُ حقوقَه ويؤدّي واجباتِه عن طريقِ التربيةِ الوطنيَّةِ.
(2)
يقولُ الملكُ عبدالعزيز -طيّبََ اللهُ ثراه-: "إنِّي لا أريدُ علوًّا في الأرضِ ولا فسادًا؛ ولكنْ أريدُ الرُّجوعَ بالمسلمينَ إلى عهدهِم الأوّل، عهدِ السَّعادةِ والقوَّةِ، عهدِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ ومن تبعهُم بإحسانٍ".. ويقولُ -أيضًا-: "إنَّ خدمةَ الشَّعبِ واجبةٌ علينَا، لهذَا فنحنُ نخدمُه بعيونِنا وقلوبِنا، ونرَى أنَّ مَن لا يخدمُ الشَّعبَ ويخلصُ له فهُو ناقصٌ".
ويقولُ الملكُ فيصل -رحمَه اللهُ-: "يجبُ على المسلمينَ عامَّةً وعلَى العربِ بصفةٍ خاصَّةٍ أن يتَّصلُوا ببعضِهم، وأنْ يتفاهمُوا وأنْ يعتصمُوا بحبلِ اللهِ".. ويقولُ -أيضًا-: "معاذَ اللهِ أنْ يعترضَ الإسلامُ سبيلَ التَّقدمِ، فهُو دينُ التَّطورِ، ودينُ العزِّةِ، ودينُ الكرامةِ".
ويقولُ الملكُ فهد -رحمَه اللهُ-: "المملكةُ العربيةُ السعوديةُ هِي واحدةٌ من دولِ أمَّةِ الإسلامِ، هي منهُم ولهُم، نشأتْ أساسًا لحملِ لواءِ الدَّعوةِ إلى اللهِ، ثمَّ شرَّفَها اللهُ بخدمةِ بيتهِ وحرمِ نبيِّهِ فزادَ بذلكَ حجمُ مسؤوليتِهَا، وتميَّزتْ سياستُهَا وتزايدتْ واجباتُها، وهي إذْ تنفذُ تلكَ الواجباتِ على الصَّعيدِ الدّوليّ تتمثَّلُ ما أمرَ اللهُ بهِ".
أمَّا خادمُ الحرمين الشريفين -حفظَهُ اللهُ- فيقولُ: "سوفَ تبقَى مملكتكم -بإذن اللهِ- تحملُ الخيرَ لمواطنِيهَا، ولأشقائِهَا، ولأصدقائِهَا، وللبشريَّةِ جمعاء، رافعةً رايةَ التَّوحيدِ الخفَّاقةَ، ومتوكلةً عليه جلَّ جلالُه في سرَّائِهَا وضرَّائِهَا".
(3)
ومع تلكَ المقولاتِ النَّيرةِ لمَّا يزلْ منّا مَن يحاولُ النَّخرَ في إنجازاتِ هذا الوطنِ، وفي مقدراتِهِ وممتلكاتِهِ، كي يُخرجَنا إلى صورةٍ من صورِ العبثِ والفسادِ والفوضَى. لقد مرَّ الثلاثاءُ الفارطُ، والشَّعبُ بكلِّ فئاتِهِ يحتفلُ بيومِ الوطنِ، وتأسيسِ الوطنِ، وتوحيدِ الوطنِ.. وهو حقٌّ ينبغِي القيامُ بهِ، في وطنٍ من بين الأوطانِ محطَّ أنظارِ القريبِ والبعيدِ، وهو يرغدُ في نعمتيّ الأمنِ والاستقرارِ، وفي ظلِّ قيادةٍ حكيمةٍ اتّخذتْ كتابَ اللهِ وسنّةََ رسولهِ -صلّى اللهُ عليهِ وسلّم- منهاجًا ودستورًا، وما حولَه تتقاذفُ به سمومُ الغِوايةِ والهلاكِ.
ومع كلِّ تلكَ الاحتفالاتِ، إلاَّ أنَّها لا تُغني (فتيلًا) إذا لم تسقطْ على الواقعِ في ثوبٍ من العملِ والجدِّ، ولن يأتِي العملُ والجدُ إلاّ بلغةِ الحبِّ والانتماءِ الصَّادقِ.
إنَّ الوطنَ بمفهومِهِ ليسَ قصيدةً تُقالُ عرضًا في مناسبةٍ، أو قطعةً من الكلماتِ الإنشائيةِ تُعرضُ تمجيدًا وزهوًا، وليسَ لوحةً خضراءَ نرتديهَا في أوقاتٍ معلومةٍ.. إنَّه أنفاسٌ تعملُ بإخلاصٍ، وأيادٍ خشنةٌ تُدْمى بالجدِّ، وقطراتٌ تنْدى من تحتِ الجبينِ.. ومَن لمْ يفهمْ معانِي الوطنِ والمواطنةِ بهذَا الفهمِ، فليسَ لهُ من الوطنيَّةِ سوى القولِ المنثورِ، والكلامِ المرصوفِ؛ الخالِي من المعنَى، والجوهرِ!
عندمَا تمرُّ هذِه الذكرَى الجميلةُ، ينبغِي ألّاَ تمرّ دونَ أن نعيدَ حساباتِنَا في كلِّ شؤونِنا الصّغَيرة منها والكبيرة.
أليسَ من حقّنا -ونحنُ نفخرُ بهذَا لوطنِ، ونحتفِي بهِ في هذِه المناسبةِ- أن نراجعَ مَواطِنَ القوَّةِ سعيًا لتعزيزِهَا، ومَواطِنَ الضّعفِ كي نصححَهَا؟!
فكمْ تُضار الدَّولةُ من بائعِي الوطنيةِ، والمزايدةِ عليهَا ممّن يستغرقُ انتباهَه وشعورَه كلّه حديثُ الدّعاياتِِ؛ سعيًا لإرضاءِ المسؤولينَ؛ لأنّه لا يشعرُ إلاّ بالتّشبّث بمكانِهِ الوثيرِ، أمّا مَا ارتبطَ بذمَّتهِ من تكاليفَ وطنيةٍ، ومَا اقترنَ بمهمَّتِهِ من مطالبَ وأعمالٍ، فهُو لا يدريه، ولا يريدُ أنْ يدريهِ، فقدْ غابَ عنهُ أداءُ الواجبِ الوطنيِّ، فلمْ يهتمْ أدنَى اهتمامٍ بحديثِ العملِ والجدِّ، وتبليغِ الأمانة!
فكمْ منّا مَن اكتسَى بلبوسِ الوطنيَّةِ، وهي منهُ براءٌ، ونسِيَ أنّها عرقٌ، وعملٌ، وجدٌّ، وانتماءٌ؛ وليس كسوةً تُلبسُ في أوقاتِ الاحتفالاتِ!
الوطنيَّةُ.. وثوبُ الولاءِ
تاريخ النشر: 26 سبتمبر 2014 05:10 KSA
(1)
A A


