في كل قرار، وفي أية مشكلة أو محنة، يكون التوقيت هو محور النجاح أو الفشل، بدونه تموت الحلول إن جاءت مبكرة عن موعدها، أو إن تأخر وصولها، ففي الحالين لا يصيب الحل مشكلته بدقة، فيقع سهمه خارج الدائرة، أو بعيدًا عن قلبها في أحسن الأحوال.
قرار الرئيس الأمريكي أوباما بالحرب على "داعش" ربما تأخّر بعض الوقت، لأسباب داخلية أمريكية قد نتفهم بعضها، ولأسباب تتعلّق بأوباما شخصيًّا، وقد نقدّر بعضها، فالرجل إنّما دخل البيت الأبيض بوعود انتخابية تتحدّث عن إنهاء حربين في العراق وأفغانستان، وعن عدم العودة إلى التورّط في حروب أخرى مجددًا، وهو قد صارح شعبه والعالم بجملة مبادئ منذ البداية، تعهّد فيها بعدم إرسال قواته منفردة للحرب في أي مكان، ما لم تتهدد مصلحة أمريكية مباشرة، وما لم يجد تحالفًا يتحمّل شطرًا من المسؤولية الأخلاقية عن قرار الحرب، ومن الأعباء المادية لها، وظن أوباما وقتها أن بوسع أمريكا أن تقود تحالفات بـ" المعلومات الاستخباراتية مثلاً"، أو بقيادة العمليات عن بُعد، كما حدث في ليبيا، وسمّاه هو لاحقًا "القيادة من مقعد خلفي"، أو بالشراكة عبر خبراء ومستشارين عسكريين، والتي سمّاها "الشراكة الأمامية".
في كل العناوين الإستراتيجية السابقة كان مركز القيادة في واشنطن يبدي ترددًا في تحمّل مسؤولياته كقوة عظمى "حرصت على الاستفراد وحدها بزعامة النظام الدولي"، وكان التردد ذاته ملهمًا لجماعات عنف خرجت من قمقمها لعوامل ليس هذا مجال سردها، كما كان ملهمًا أيضًا لقوى دولية وإقليمية، لمحت أمارات عجز أو علامات ضعف عند قمة القرار الدولي في واشنطن، وطمعت في انتزاع حصة منه، حدث هذا من أقرب حلفاء واشنطن -فرنسا مثلاً- وحدث أيضًا من أكثر خصومها فجورًا في الخصومة (إيران والقاعدة مثلاً).
لكن مشاهد ذبح الأمريكيين جيمس فولي، وستيفن سوتلوف على يد "داعش"، انتزعت أوباما من تردده، وزوّدته بذرائع لاستخدام القوة يواجه بها الكونجرس والرأي العام، وإن جاء هدفه المعلن من الحرب هو "تحجيم" داعش، فيما يتحدّث هو وجنرالاته عن حرب قد تمتد لسنوات قبل أن تحقق أهدافها.
قرار أوباما بالحرب ربما تأخّر بعض الوقت، لكنه جاء على أي حال، أمّا هدفه من الحرب فيتقاطع أو يلتقي عند نقاط معينة مع حلفائه في الحرب التي اشتعلت للتو، وإن كان يبدو قاصرًا عن تحقيق الغايات النهائية للحلفاء، لاحظوا معي (مثلاً) أن الضربة الأمريكية الأولى في الحرب استهدفت جماعة "خراسان"، وهى جماعة لم يسمع بها كل مَن تضرروا في المنطقة بداعش وجرائمها، لكن استهداف أوباما لجماعة خراسان في الضربة الجوية الأولى ربما استهدف تحقيق مكسب معنوي كبير في الداخل بضرب جماعة يتزعمها "الفضلي" أحد قليلين مازالوا على قيد الحياة من المشاركين في هجمات سبتمبر، وربما أيضًا بإبلاغ الرأي العام الأمريكي، بأن العمليات التي بدأت للتو تحقق مصلحة أمريكية مباشرة.
وفي كل الأحوال فقد بدا استهداف "جماعة خراسان" التي لم يسمع أغلبنا بها إلاّ بعد توجيه الضربات الأمريكية لها، وكأنما يشير إلى تباين الأولويات بين واشنطن وحلفائها في الحرب التي بدأت للتو ضد داعش، أو على الأقل "عدم تطابقها"، وهذا طبيعي في كل التحالفات على مر التاريخ الإنساني، فمن يتحالفون تتلاقى أهدافهم العامة بالطبع لكنها لا تتطابق بالمنطق ولا بالضرورة.
داعش هي الدمامل التي تفصح عن وجود علّة بجوف الإقليم، ولا يكفي فقع الدمامل لعلاج الحالة، فالتشخيص الحقيقي لمشكلات الإقليم يبدأ "ثقافيًّا" بالأساس، عند تحديد العلّة بأنها "حالة استسلام ثقافي للماضي" بشخوصه وأفكاره، وحتى بأساطيره وأوهامه"، وأن علاجها يبدأ بفض الاشتباك مع الماضي، وببناء جسور قوية تحمل المنطقة كلها إلى المستقبل.
ما كان لداعش أن تستقطب لأفكارها المريضة جمهورًا وأتباعًا يذهبون معصوبي الأعين إلى الهلاك، لولا حالة ظلامية خيّمت على ثقافتنا، وهيمنت في بعض الأحيان عليها، وهزيمة داعش لا تتحقق بمجرد قتل قادتها وأسْر أتباعها، وتدمير بنيتها التحتية العسكرية والتمويلية، وإنما تتحقق هزيمة داعش، بالقضاء على فكرتها، ولا أظن أن بوسع واشنطن القادمة من خارج الإقليم أن تخوض حرب الفكر ضد حالة داعشية تُروِّج للقتل باسم الجهاد وللانتحار باسم الاستشهاد، ولأفكار مغلوطة أو مشبوهة على حساب أوطان كبيرة وشعوب عريقة، فمهمة استئصال الفكر الذي ينتج "داعش وأخواتها" منوطة بدول المنطقة وبشعوبها.
فتّشوا في مناهج التعليم عن جذور داعشية واستأصلوها، فتّشوا في خُطب المنابر عن حيل "داعشية" وافضحوها، فتّشوا في كل قنوات الإعلام عن من يُروِّجون ويُؤسِّسون لداعش وأخواتها، فلا تدعوا لهم منبرًا، ولا تتركوا لهم فسحة لترويج الزيف باسم الحق.
الحرب التي بدأت ضد الإرهاب قبل أيام وقد تمتد لسنوات، هي جزء من عملية شاملة لإعادة هيكلة وتأهيل قلب العالم، ولا يربح تلك الحرب إلاّ من استعدوا جيدًا لها بالرؤية قبل السلاح، وبالفكر قبل العمل، حفظ الله أوطاننا من كل سوء، وأنار بصيرة قادتنا إلى تحقيق ما تتطلع إليه شعوبنا من نهضة حقيقية تتيح لشبابنا الإسهام في إثراء الحضارة الإنسانية بعلوم الحياة على حساب فنون الموت.
هل تأخّرت الحرب ضد الإرهاب؟!
تاريخ النشر: 26 سبتمبر 2014 03:01 KSA
في كل قرار، وفي أية مشكلة أو محنة، يكون التوقيت هو محور النجاح أو الفشل، بدونه تموت الحلول إن جاءت مبكرة عن موعدها، أو إن تأخر وصولها، ففي الحالين لا يصيب الحل مشكلته بدقة، فيقع سهمه خارج الدائرة، أو
A A


