يبلغ المتحالفون ذروة أي تحالف عندما تتغلب نقاط التفاهم الاستراتيجي على نقاط التعارض الاستراتيجي، لكن هذا نادراً ما يحدث في السياسة الدولية بصفة خاصة ، حين يصبح التحالف عرضة لهزات، مصدرها أن الهدف الاستراتيجي لم يجرِ تعريفه، وتحديده، والتوافق عليه، بدقة كافية.. هذا بالضبط هو حال التحالف الدولي الفضفاض في الحرب على داعش.
بدون تفاهمات استراتيجية دقيقة وعريضة، قد ينشغل أطراف التحالف كل بغاياته، التي قد يتعارض بعضها مع غايات أطراف آخرين في التحالف، خذ تركيا أردوغان مثلاً، فهى لا تريد الانخراط المباشر في حرب ضد داعش، التي تحتجز نحو ثمانين جندياً تركياً رهائن قرب ضريح سليمان شاه، كما تتعارض مصالحها مع تعاظم القدرات العسكرية لاكراد سوريا الذين يتلقون السلاح لمواجهة داعش، وبينما ترى أنقرة أن المواجهة مع داعش لا ينبغي ان تحجب أهمية إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا، فان واشنطن التي تقود التحالف، لا ترغب في توجيه ضربات لقوات بشار الأسد ضمن حملتها الجوية في سماء سوريا، التزاماً بتعهدات مع طهران من جهة، وتجنباً لمواجهة مباشرة مع الأسد وداعش في وقت واحد.
وفيما يبدو فقد ارتكبت كل من واشنطن وانقرة خطيئة الاعتقاد بإمكانية استخدام تنظيمات جهادية متشددة لاسقاط نظام بشار الأسد، ثم الاستدارة لاحقاً لضرب هذه التنظيمات على يد جماعات سورية معتدلة،حيث برهنت الوقائع لاحقاً، على عجز الجماعات المعتدلة عن إلحاق هزيمة ما بالنظام السوري، فيما تمكنت الجماعات الجهادية الاكثر تطرفاً من الاستفادة من الحرب السورية لاقامة حاضنات للإرهاب ومناطق تدريب وامداد عبر الأراضي السورية الخاضعة لسيطرتها.
الآن.. وباعتراف الولايات المتحدة ذاتها، تبدو داعش أكبر من ان يتم القضاء عليها كلياً، بل ان إلحاق الهزيمة بها بات يحتاج الى عمل قد يستغرق سنوات طبقاً لتقديرات البنتاجون وتصريحات الرئيس الأمريكي أوباما، الذي اعتبر أن وقف تقدم قوات داعش هدف بذاته، فيما اعتبرت بريطانيا التي انخرطت مؤخراً في التحالف، أن إجهاض محاولات داعش لتجنيد المزيد من البريطانيين والأوروبيين بين صفوفها ربما بات هدفاً ملحاً أمام دول التحالف.
خبراء عسكريون يؤكدون استحالة كسب الحرب ضد داعش بضربات من الجو، ويدللون على ذلك باستمرار تمدد وانتشار داعش فوق الأرض رغم استمرار ما يقول أمريكيون وبريطانيون وفرنسيون أنه ضربات جوية دقيقة ، ويشير هؤلاء الخبراء الى حتمية النزول على الأرض بـ" قوات ضخمة" لأن إسقاط داعش لن يتحقق بغير اجبارها على ترك أراض سيطرت عليها، وطبقاً لتقديرات امريكية فان أي عمل بري كبير لا يمكن أن يبدأ قبل ستة أشهر على الاقل، فيما قد تستمر الحرب ذاتها لسنوات، قد تتبدل خلالها الخارطة الاقليمية، ما لم تدرك الولايات المتحدة أهمية تعزيز الاستقرار الاقليمي ضمن القوى الإقليمية المتحالفة معها، فرهان الحرب ضد داعش على مدى سنوات مقبلة يقتضي من واشنطن وقيادات التحالف إعداد خارطة صراع تكفل لشركاء التحالف حداً أدنى من الاستقرار الداخلي، يتيح لهم تكريس امكانيات وقدرات حقيقية وفاعلة في الحرب ضد داعش وأخواتها،الأمر الذي يعني تثبيت الأوضاع الداخلية، وتعزيز قدرات الأطراف الاقليمية في التحالف الدولي.
طمأنة حلفاء واشنطن في الحرب ضد الإرهاب شرط ضروري للنجاح، لكنه يصطدم في الواقع بمستوى غير مسبوق من التناقضات بين الحلفاء الإقليميين ذاتهم، تبدو واشنطن شريكة في بعضها ومنتجة لبعضها الآخر، إزالة بعض هذه التناقضات أو الحد من بعضها أو حتى تأجيله يبدو شرطاً جوهريا لكسب الصراع الرئيسي مع داعش في النهاية، ما يقتضي طمأنة حلفاء واشنطن في الخليج ضد التهديدات الإيرانية المحتملة، وطمأنة السنة في العراق على مستقبلهم عبر اجراءات سياسية مباشرة وحقيقية، لا يمكن بدونها مواجهة داعش على الارض، وطمأنة العراقيين على وحدة العراق، وطمأنة الأردن بحل حقيقي للقضية الفلسطينية لا تسدد عمان فاتورته، وطمأنة مصر على مستقبل للإقليم يصون وحدة دوله وسلامها واستقرارها.
كل تلك التطمينات ضرورية كشروط لا غنى عنه لكسب الحرب ضد داعش وأخواتها، وإلا فلن يتمكن التحالف من الحياة، ناهيك عن الانتصار النهائي في الحرب.
الرئيس الأمريكي أوباما اعترف قبل بضعة أشهر بأنه لا يملك استراتيجية، لكنه سعى الى بناء تحالف يتوافق تكتيكياً، وتساور أطرافه الظنون والشكوك على المستوى الاستراتيجي، ثم خرج بطائراته الى أجواء العراق وسوريا، قبل أن ينتهي من إعداد القوات التي ستخوض المعارك على الارض، فيما بدا متردداً او حتى عاجزاً عن اتخاذ قرار حاسم بخوض معارك برية يعرف مقدماً انه لا حسم بدونها.
هكذا تبدو الصورة الآن، فيما تعلن اسرائيل عن خطط لبناء مستوطنات في القدس الشرقية بعد ساعات فقط من لقاء أوباما ونتانياهو في البيت الابيض، ما اعتبرته واشنطن عملاً غير مسؤول يعرض مصالحها في المنطقة للخطر في توقيت بالغ الدقة والحرج، لكنها لم تتحرك أبعد من الانتقاد الشفهي، ولم تتبن إجراءً حقيقياً واحداً للرد على الخطوة الاسرائيلية، التي تزود داعش وأخواتها بمزيد من الدوافع ومن المتطوعين ايضاً.
الحد من التناقضات داخل عناصر التحالف الدولي، وفيما بينها وبين بعضها، شرط لن يتحقق بدونه أي انتصار حقيقي في الحرب ضد داعش، تعرف واشنطن ذلك، وتعرف أيضاً أن تحقيق بعض المكاسب التكتيكية الصغيرة ربما يكون على حساب هدف إستراتيجي كبير، غابت عنه الرؤية والخطة والإرادة.
الحرب ضد داعش.. التكتيك قد يضيع الاستراتيجية
تاريخ النشر: 03 أكتوبر 2014 05:19 KSA
يبلغ المتحالفون ذروة أي تحالف عندما تتغلب نقاط التفاهم الاستراتيجي على نقاط التعارض الاستراتيجي، لكن هذا نادراً ما يحدث في السياسة الدولية بصفة خاصة ، حين يصبح التحالف عرضة لهزات، مصدرها أن الهدف الاس
A A


