ظهور تنظيم داعش بهذا الشكل المفاجئ، وتجاوزه من حيث سقف العنف والقسوة والبشاعة والإجرام، جميع التنظيمات الإرهابية التي تشاركه نفس الأيدلوجيا، لم يكن ليُفاجئ أي مراقب ومتأمِّل لمجموعة المقدمات التي ترافقت مع ما يُسمّى بالربيع العربي. وأهم تلك المقدمات ما بلغه الخطاب الديني من مستويات للعنف، ومن نزعة طائفية، جعلت من الإبادة الجماعية لبعض المنتسبين للطوائف الأخرى، غاية مقدسة، ومطلبًا جماهيريًّا!
الإرهاب فكر قبل أن يكون ممارسة، والقتل فكرة نابعة من إرادة مريضة، وليس مجرد سلوك ناتج عن الغضب، أو اليأس، أو انسداد الأفق السياسي والاقتصادي. لذلك فإننا مهما حاولنا الربط بين العوامل السياسية المحضة، كفشل الدولة الوطنية في أنحاء عدة في العالم العربي، كما فعل الزميل القدير بدر الإبراهيم في مقالته الأخيرة (الإرهاب ليس مشكلة ثقافية)، فإن تجاهل الجذور الفكرية للإرهاب لن يؤدّي إلاَّ إلى استفحاله.
نحن بصدد منهج فكري اتّخذ من تكفير الآخر منطلقًا للذود عن حياض الدِّين. منهج يستوحي من (الحقد المقدس) عقائده، وتوجهاته الرئيسة في فقه التعامل، بل وحتى في فقه الشعائر.
مَن من المسلمين لم يُوجه للآخرين، في شطر من حياته، تهم التكفير، والتبديع، والتفسيق، وفساد المعتقد، بسبب ما تم تلقينهم إيّاه في المناهج الدراسية؟! نعم هناك أسباب سياسية كثيرة وراء تحوّل الفكر إلى عمل منظم، وعلى رأس هذه الأسباب ظروف المنطقة المضطربة، لكن نظرة سريعة على محتوى الخطاب الوعظي المحرّض على القتال، ستؤكد بأن الوعاظ الذين قاموا بتعبئة الشباب المسلم للذهاب إلى أفغانستان، والشيشان، والعراق، وسوريا، كانوا يستندون في جزء من خطابهم، إلى ذات المرجعية الدينية السائدة. ذلك أن الدعوة إلى قتل المختلف، لا تختلف كثيرًا عن تكفيره وتبديعه، وما يستتبع ذلك من إهدار للدم، واستحلال للعرض والمال.
العامل الفكري في رأيي هو الأساس، وما لم يتم إخضاع الموروث عمومًا، والموروث الإسلامي بشكل خاص، للمنهج النقدي للإبقاء على ما هو جيد منه، واستبعاد ما هو قابل لزرع العنف في النفوس، فإننا كمسلمين لن ننجح في إيجاد أية حلول لهذه المشكلة التي باتت تهدد الاستقرار والسلم الأهلي، فضلاً عن تهديدها للمستقبل.
قد يقول البعض إن العمل على وضع خطط للإصلاح، هو الحل.. وهو ما لا أرى أنه مُجْدٍ في الوقت الراهن.. فالإصلاحات على أهميتها، ستظل جدواها مرهونة بمدى التطوّر الذي حققته البيئة الفكرية المجتمعية.. ولعل ما حدث في مصر عقب انتفاضة الخامس والعشرين من يناير، وما حدث أيضًا في ليبيا وتونس، هو خير دليل على أن الإصلاح بأنواعه يجب أن يأتي في المرتبة الثانية بعد الإصلاح الفكري.
بدون شك فإن العديد من المؤشرات بل ومن الدلائل، تؤكد مسؤولية الغرب، والكيان الصهيوني المباشرة، عن خلق هذه التنظيمات. لكن الغرب والصهاينة لم يقوما باختلاق مرجعية دينية غير موجودة، بقدر ما تمكنا من النفاذ من بعض مَوَاطِن الضعف والخلل الموجودة من الأساس، ضمن الموروث الإسلامي.
جذور داعش تكمن في جزء من الموروث، وعلى العالم الإسلامي الاعتراف بذلك حتى نتمكن من إيجاد الحلول.
داعش وعلاقتها بالموروث
تاريخ النشر: 11 أكتوبر 2014 03:38 KSA
ظهور تنظيم داعش بهذا الشكل المفاجئ، وتجاوزه من حيث سقف العنف والقسوة والبشاعة والإجرام، جميع التنظيمات الإرهابية التي تشاركه نفس الأيدلوجيا، لم يكن ليُفاجئ أي مراقب ومتأمِّل لمجموعة المقدمات التي تراف
A A


