Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

في الرد على المنكرين على العلمانية

في الأسبوع الماضي نشرت مقالاً عن العلمانية كتبت فيه أن العلمانية منهج فكري لم يطرح نفسه كبديل للدين ، لأنه لم يضع الأمور الغيبية ضمن اهتماماته من الأساس .

A A
في الأسبوع الماضي نشرت مقالاً عن العلمانية كتبت فيه أن العلمانية منهج فكري لم يطرح نفسه كبديل للدين ، لأنه لم يضع الأمور الغيبية ضمن اهتماماته من الأساس .
كما أنني تحدثت عن كون العلمانية واحدة من أهم النقلات في تاريخ البشر ، لأنها رسخت المنهج العلمي كأداة وحيدة للتعامل مع معطيات الواقع ، مما تسبب في هذه الطفرة العلمية التي نعيش في ظلها ، والتي ابتدأ تأثيرها يظهر ويسيطر حد الطغيان على حياة البشر ، منذ عصر الثورة الصناعية .
مجموعة من القراء انتقدت مقالي من منطلق إيمانها بأن المنهج الغيبي الذي قالوا بأن الإسلام قدمه ، هو منهج متكامل . لكن ما لم تنتبه إليه هذه المجموعة من القراء هو إن الإيمان بالغيب شيء ، وأن المنهج الغيبي شيء مختلف بالمرة .
الغيب حسب اللغة هو كل ما غاب عن الإدراك الحسي ، لذلك لم يطالبنا القرآن بالاقتناع بالغيب بل بالإيمان به .. والإيمان يعني التصديق غير المشروط لما يقع خارج دائرة المُدرَك حسياً .
بالمقابل فإن المنهج الغيبي كما قلت مراراً ، هو منظومة معرفية مغلقة على الإطلاقيات واليقينيات .. أي أنها منظومة معرفية تدعي امتلاك الإجابات النهائية عن كل الأسئلة ، بما في ذلك الأسئلة المتعلقة بالواقع . وعليه فإنها تتعامل مع كل ما في الواقع استناداً إلى أفكار مسبقة وثابتة ولا مجال لمناقشتها . على العكس من المنهج العلمي الذي يسعى لاكتشاف ما هو غير معلوم ، من خلال الإقرار بالجهل به قبل كل شيء .
على سبيل المثال فقد قدم شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ، تفسيرات غير علمية لمختلف ظواهر الطبيعة مدعياً أن ما يقوله حقيقة مطلقة . لكن العلم أثبت بأن كثيراً مما ذهب إليه الطبري وأمثاله من المفسرين بالأثر فيما يخص ظواهر الطبيعة ، لم يكن صحيحاً بالمرة .
في تفسيره للقرآن ، ادعى الطبري أن الرعد عصي بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب ، وأن البرق مخاريق توخز الملائكة بها السحاب . هذا التفسير الذي أثبتت حقائق عدم صحته ، ليس تفسيراً قرآنياً لظاهرتي الرعد والبرق ، بل هو أحد منتجات المؤسسة الدينية التي يمثلها في هذا المجال ، الطبري وبقية المفسرين بالأثر . أما القرآن نفسه فقد اكتفى بالإشارة إلى وجود مثل هذه الظراهر في عالم الشهادة ، دون أن يفسرها ودون أن يتوقف عن تحفيز الإنسان على اكتشاف السنن ( قوانين الطبيعة ) التي لا سبيل لاكتشافها إلا بالعلم .
المنهج الغيبي لا يعني الغيب ، بل يعني عدم تتبع الأسباب المادية عند التعامل مع الواقع . وهنا تكمن الكارثة .
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store