Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

بين مرجعية القيم ومرجعية الأشخاص

الربط بين الدين الإسلامي وتاريخ المسلمين ، هو واحدة من أهم المعوقات التي تحول بين العقل المسلم وبين فهم الدين كما يجب .

A A
الربط بين الدين الإسلامي وتاريخ المسلمين ، هو واحدة من أهم المعوقات التي تحول بين العقل المسلم وبين فهم الدين كما يجب .
الدين من عند الله ، والتاريخ من صنع البشر . بمعنى أكثر دقة فإن التجربة التاريخية التي عكست فهم المسلمين للدين في حقبة ما ، لا يصح التعامل معها باعتبارها جزءاً من الدين نفسه . ذلك أن فهم المسلمين للدين ، عكس اختلافات في وجهات النظر تراوحت بين ما هو بسيط وما هو عميق ، ولم يعكس كما قد يخيل للبعض ، إجماعاً أو حتى توافقاً كبيراً وقادراً على الصمود لفترة زمنية طويلة . التاريخ لا يمكن أن يكون مرجعية للدين ، لأن ذلك يعني وبمنتهى البساطة ، خضوع ما هو إلهي لما هو بشري ، وهنا تكمن الكارثة التي من شأنها أن تضيع الدين والدنيا معاً .
بمعنى آخر فإن المنهج الذي يتعامل مع الأشخاص بوصفهم مرجعية تُحال إليها القيم ، وليس العكس ، لن يؤدي فقط إلى تقديس الأشخاص وعصمتهم ، ولكنه سيؤدي أيضاً إلى التعامل مع القيم بوصفها أشياء غير ثابتة ولا يمكن أن تكتسب مشروعية مستقلة لها بعيداً عن هوية الأشخاص الذين يتبنونها ! وهي ظاهرة تحدث عنها القرآن في كثير من المواقع ، وبالخصوص في الآيات التي ذكر فيها إعراض الأمم عن أنبيائها ليس بسبب عدم اقتناعهم بمجموعة القيم التي تحتوي عليها الرسالات السماوية التي حملها أولئك الأنبياء ، بل بسبب تعارض تلك القيم مع سلوكيات آبائهم .. أي أن هذه الأمم تعاملت مع الأشخاص ( الآباء ) بوصفهم المرجعية التي يجب أن تُحال إليها القيم .. في حين أن المنهج السليم هو ذلك الذي يحيل سلوكيات الأشخاص لمرجعية القيم : (( قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ )) هود .
لقد فطن الإمام الشافعي إلى خطورة هذه الظاهرة - أقصد التعامل مع الأشخاص باعتبارهم مرجعية للقيم بدلاً من التعامل مع القيم باعتبارها المرجعية التي يُحال إليها الأشخاص والسلوكيات - فأطلق مقولته الشهيرة من أمام قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر )) .. وأشار الشافعي بعد أن نطق بهذه العبارة، إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله .
المجهود البشري يتسم بالقصور دائماً ، والفهم البشري لا يصل إلى مرحلة الكمال أبداً .. فكيف يمكننا أن نلحق ما هو بشري ، أعني التاريخ ، بما هو إلهي .. وأعني به الدين ؟!
بين ما هو تاريخي وديني ، مسافة تساوي المسافة التي تفصل بين ما هو بشري و ما هو إلهي .
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store