هل كان ممكنًا قبل عصر القنوات الفضائية والسماوات المفتوحة أن يشهد عالمنا العربي خلال أربع سنوات فقط، ما يشهده من صراعات داخلية وحروب أهلية استدعت إليها متطوعين ومرتزقة من شتى أنحاء الأرض؟!.
أنا شخصيًا لا أظن، بل وأجزم أن حروبًا وصراعات كتلك، كانت تحتاج في غياب الفضائيات إلى عشرات السنين، وأن جهود وخطط من خططوا لها وسعوا إليها سعيًا، كانت سوف تتعثر حتمًا في خطط مضادة أعدتها دول وحكومات وقوى سياسية وفصائل، امتلكت هامشًا من الزمن أتاح لها تطويق أو عرقلة خطط التمزيق المنهجية التي استهدفت المنطقة وما تزال.
فضائيات التمزق ساهمت إذن بالدور الوافر في تفجير المنطقة، بعضها فعل ذلك عن عمد، واعيًا منذ البدايات الأولى بحقيقة ما يفعل، وبعضها انساق كالأهبل في الزفة، وراء موجة ظن التخلف عنها يخرجه من السباق فإذا هو خارج السياق وخارج التاريخ والجغرافيا معا.
كان لافتًا في بعض الوقائع الفضائية "مثلا" أن تسبق كاميرا إحدى تلك الفضائيات الأكثر وعيًا بما تفعله عن عمد، إلى مواقع "سوف" يقع فيها بعد قليل تفجيرًا مفخخًا أو انتحاريًا، وإن كان وصفه الحقيقي أنه "تفجير متلفز".. ثم يقع التفجير "المفاجئ"، فتفاجئ الفضائية اللوذعية الدنيا بأنها كانت هناك في موقع التفجير "المفاجئ" الذي جرى تدبيره بليل، وكان لافتًا أيضًا، أن تمتلك بعض الفضائيات أرقام هواتف لانتحاريين سوف يقدمون بعد قليل على تفجير أنفسهم من أجل "القضية"! وأن يدلي الانتحاري بكلماته الأخيرة مباشرة قبل وقوع التفجير، وكان لافتًا أيضًا أن يتحول بعض عتاة الإجرام إلى أبطال تاريخيين على يد بعض الفضائيات، وأن تنطلق الشرارات الأولى للحروب الطائفية عبر فضائيات عمدت إلى التحريض الطائفي، وجاءت بأدعياء إلى موائد الفتوى ليفتي بعضهم بتكفير بعضهم الآخر، ويقطع آخر بعدم جواز تقبيل الزوجة "الكتابية" وإنما تكون مطارحتها الغرام "اغتصابا" لا تجوز معه حتى كلمة حب أو مشاعر ود!!!
ما فعله بعض الإعلام الفضائي، فعله أيضًا بعض الإعلام الإلكتروني، وكلاهما وجد في فضاء اللا حساب واللا عقاب، مجالًا مفتوحًا للانفلات بلا حساب، عن عمد، أو عن جهل، ولهذا جاءت دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى قادة الرأي والفكر ووسائل الإعلام بالسعي إلى تحقيق التقارب لإنهاء كل خلاف مهما كانت أسبابه، وكذلك دعوته في التصريح ذاته إلى ضرورة أن يكون الإعلام عونًا في تحقيق الخير لشعوب المنطقة ودفع الشر عنها.
تأثير الإعلام فيما حدث ويحدث بالمنطقة، فاق تأثير مدافع العدو وبوارجه وطائراته وصواريخه.. وحجم ما لحق باللحمة الداخلية للأوطان من تمزق، أكبر بكثير مما لحق بالبنية التحتية في بعض أقطار عربية مزقتها الحروب الأهلية، أو خطط التدخل الخارجي، ولهذا فإن هدف ترشيد الإعلام وليس لجمه، ينبغي أن يمثل إستراتيجية عربية أصيلة وليس مجرد هدف عابر، غايته تجاوز اللحظة، ثم العودة لاحقًا للانقضاض على كل شيء.
ملك حكيم مس بمبضع الحكمة مكمن الداء، وأشار إلى الإعلام بصفة خاصة، في كلمة ستسجلها صفحات التاريخ باعتبارها، تدشن محطة النهاية لحقبة من الانقسامات سادت المنطقة، فيما كانت دولها تخوض صراعات حاسمة من أجل البقاء، وتتبقى استجابة الإعلام لنداء الملك الحكيم، وهى بدورها استجابة مرهونة بحسابات السياسة، إذ تظل معلَّقة بمدى جدية الالتزام بما تم التوصل إليه في اتفاق الرياض التكميلي، الذي خرجت به القمة الخليجية الاستثنائية، فضلًا عن مقتضيات وظيفة الإعلام ذاتها والتي بدت غائبة أغلب الوقت، عن معظم وسائل الإعلام المرئي والمسموع والإلكتروني، فيما كانت الفضائيات تستخرج موادها الإعلامية من جيوب مموليها، وليس من مصادر الحدث، ولا من أطرافه، ولا من شهوده، أو حتى معلقيه. الأمم التي تنشد صون استقلالها في الألفية الثالثة، عليها أن تقر بحتمية استقلال وسائل الإعلام، عن مموليها، فاللحمة الوطنية ووحدة الأوطان، تصونها المصداقية، بينما تدميها أدوات ومحتويات وسائل الدعاية والدعاية المضادة، وكلنا نعرف أنه لو تحقق الاستقلال الحقيقي لإحدى الفضائيات التي ألهبت ظهور أوطان بمواد التشرذم والتقزم والتفتيت، لما شاهدنا ما شاهدنا ولا سمعنا ما سمعنا، من مواد "مفبركة" و"رخيصة" و"ركيكة" وجدت طريقها مع الأسف إلى بعض الرؤوس الفارغة والنفوس الخاوية والضمائر المعروض بعضها للإيجار.
أول متطلبات الدور الوطني الواعي لوسائل الإعلام إذن ينبغي أن يكون استقلال "الوسيلة" عن "الممول" وإلا جرت صياغة رؤوس شعوبنا وفق هوى من يدفع، والكارثة أن بعض من يدفعون لا يعرفون حتى الآن عواقب ما يفعلون.
ثاني متطلبات الاحتشاد الإعلامي خلف قضايا الأمة العربية في معركتها من أجل الوجود، هو تعزيز التزام وسائل الإعلام بالقيم المهنية، وهى مهمة يظنها بعضهم سهلة، وإن كانت تقتضي إعادة صياغة دور الإعلام في المجتمع، وتمكينه من الاندماج الحقيقي في قضاياه، تمامًا كما تقتضي إعادة النظر في مناهج التعليم ما قبل الجامعي، بما يعزز قيم الموضوعية والمساءلة، ويتيح تنمية الحس النقدي، سواء لدى جمهور المتلقين، أو لدى من يمكن أن ينخرطوا في سلك الإعلام لاحقًا.
جانب مهم في تعزيز القيم المهنية لدى إعلاميين احترفوا الكذب، هو تربية النشء على الصدق، وهى قيمة سوف تتيح تعزيز المصداقية لاحقًا سواء لدى مصدر المعلومة أو لدى من ينقلها عنه من إعلاميين أو محسوبين على الإعلام. ليس كل إعلامي كذاب، فبعض مصادر المادة الإعلامية يكذبون، بل إن بعضهم -لقلة خبرته- يكذب مرتين، الأولى حين يدلي بتصريحه، والثانية حين يخرج علينا ينفيه جملة وتفصيلا، أو بدعوى أنه قد انتزع من سياقه، وأتحدى هذا البعض إن كان يعرف معنى كلمة سياق، ولهذا فلا بديل عن صيانة الحقيقة، وحماية المتلقي، بتجريم حجب المعلومات، لأن من يغلقون باب المعلومة، هم أنفسهم من يفتحون ألف باب للشائعة أو للأكذوبة.
حكمة الملك عبدالله وبصيرته الشفافة، رأت دورًا حيويًا للإعلام في معركة الأمة العربية من أجل اجتياز اختبار "الوجود"، وبقي على الإعلام العربي أن يستجيب بالسرعة الكافية، وبالشفافية الوافية، وبالصدق الصراح.
حكيم الأمة
تاريخ النشر: 21 نوفمبر 2014 02:47 KSA
هل كان ممكنًا قبل عصر القنوات الفضائية والسماوات المفتوحة أن يشهد عالمنا العربي خلال أربع سنوات فقط، ما يشهده من صراعات داخلية وحروب أهلية استدعت إليها متطوعين ومرتزقة من شتى أنحاء الأرض؟!.
A A


