Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

ازدواجيّة التدين..!!

u0627u0632u062fu0648u0627u062cu064au0651u0629 u0627u0644u062au062fu064au0646..!!

إنَّنا بحكم الفطرة شعب في غالبه الأعم متديّن سرى إليه التّدين بعوامل متساوقة أخذها الخلف عن السلف؛ فطرة، فوراثة، ثمّ تقليدًا ومحاكاة؛ فتكّون لدينا دين (نتدينه) أشبه بالاكتساب المتوارث منه إلى الإيم

A A

إنَّنا بحكم الفطرة شعب في غالبه الأعم متديّن سرى إليه التّدين بعوامل متساوقة أخذها الخلف عن السلف؛ فطرة، فوراثة، ثمّ تقليدًا ومحاكاة؛ فتكّون لدينا دين (نتدينه) أشبه بالاكتساب المتوارث منه إلى الإيمان الحقيقي. وزاد من وهج هذا التديّن خيوط الاعتصام بالنسق الجمعي الطاغي في الحكم على الأشياء الذي لا يقبل في أوساطه إلاّ الشكل العام الشاخص في الأذهان؛ ممّا له أكبر الأثر في التعاطي مع هذا السلوك كعلامة بارزة لا تخطؤها عين الرأي، وما قلته به سلافًا لا يلغي تديّن البعض تدينًا متمثّلًا وحاضرًا في السلوك.
وهذا التديّن المعني في هذا المقال يتراءى ماثلًا للعيان، تدعمه شواهد الواقع وبراهين اللحظة؛ وتزداد القناعة حدّ القدرة على استحضار الأدلة وسردها واحدًا واحدًا.
وحتى لا يتعجل المتعجلون فإنَّي أومن إيمانًا صادقا بفضيلة التدين؛ لأنّه مطلب محمود، ولكنّني في المقابل أقول ولستُ مبالغًا: إن التدين آفة كبرى إذا استحال إلى سلوكٍ يقوم على الازدواجيّة المقيتة التي لا تُورث غير العلل الاجتماعيّة، والأمراض المزمنة التي يتوارثها الخلف عن السلف في صورة باهتة تترفع عنها العقول السليمة، وتنفر منها الطباع الأصيلة.
وهذا ما يعبر عنه المفكر المعروف محمد الغزالي بقوله:"إنّك ستجد من يعرض عليك الدين مشوشًا مشوهًا يتجاور فيه الرأس والقدم، وتنخلع الأطراف والحواس من مكانها لتوضع العين في اليد بدل مستقرها في الوجه.."
وإذا بنينا قولًا على قول كلام الغزالي فإنّنا نقول معه- أيضًا- إنَّ حسن التصور لحقائق الدين -كما وردت- لا بد أن تكون إلى جانبه ضميمة أخرى هي صدق العمل بها، فإنَّ علاج مشكلات الناس وأدوائهم لا يقدر عليها إلاَّ رجل حلَّ مشكلات نفسه، وداوى عللها بالحقائق الدينيّة التي يعرضها.
أما لماذا؟!
فلأنَّ كثرة البضاعة من نصوص السماء لا تغني فتيلًا في نفع صاحبها، أو نفع الناس من عنده إذا كان مُلتاث الطبيعة مريض الفطرة!!
وهنا تتبدى الآية الكريمة إلى الذهن معبّرة منكرة هذا اللون من السلوك الشاذ؛ لأنّه أقرب إلى الادعاء منه إلى الحقيقة :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؛ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)، ... (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَم ْيَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
يتربع أحدهم في ثنايا المجلس محدثًا عن قيمٍ ومُثل ومكارم أخلاق، حديثًا جميلًا يسر السامعين، وإذا انطوى المجلس وانفض الحديث وتسارعت الأرجل نحو الأفول، تراءت الصورة الحقيقية، سرقة مخفية من (بوابة) التديّن، وكشف عورة بـ(مفتاح) النصيحة، ونميمة (بغيًا) لنهي عن المنكر!!.
ويقبل أحدهم حاثًا وداعيًا إلى صلة الأقارب محاكيًا ما أمر به الدين الإسلامي من صلة أرحام- وهذا حسنٌ؛ لأنّه من فضائل الأخلاق ومروءات الرجال-، وإذا انتهى من تلك الكلمة المجلجلة قلتُ في داخلك: هنيئًا له بأقاربه، وهنيئًا بأقاربه به؛ ولكنّ حال استنطاق أحواله، واختبار سلوكه تراه أشد عداوة على الأقربين؛ أرحامًا وأصهارًا؛ ناهيك عن السلوك الشائن الذي يفعله صباحَ مساء في مكان مأواه الذي يسكن إليه فهناك يتراءى الوجه الخفي الذي يلعن حامله.
إذن هي آفة الكبرى، لا يقتصر ضررها على صاحبها؛ بل يستتبعها آفات عدّة، يطال ضررها الكبير والصغير، فضلًا عن اتساع الدائرة كلما تمكّنت من المتعاطي معها، فقد تستحيل مع الأيام إلى وبال على الفرد الواحد؛ بله الجماعة المتعددة!!

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store