Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

قِيمنا والفضاء المفتوح

u0642u0650u064au0645u0646u0627 u0648u0627u0644u0641u0636u0627u0621 u0627u0644u0645u0641u062au0648u062d

يعيشُ العالمُ اليومَ مشكلاتٍ أخلاقيَّةً متداخلةً ومتقاطعةً، فضلاً عن ملامستِها بشكلٍ مدهشٍ لحياةِ النَّاسِ الخاصَّةِ، ملامسةً حيَّةً تستعصي عن التِّهميشِ، وعدمِ أخذِها بعينِ الاعتبارِ والحسبانِ، ما

A A

يعيشُ العالمُ اليومَ مشكلاتٍ أخلاقيَّةً متداخلةً ومتقاطعةً، فضلاً عن ملامستِها بشكلٍ مدهشٍ لحياةِ النَّاسِ الخاصَّةِ، ملامسةً حيَّةً تستعصي عن التِّهميشِ، وعدمِ أخذِها بعينِ الاعتبارِ والحسبانِ، ما جعلَ أصحابَ الفكرِ والفلسفةِ، وعلماءَ الاجتماعِ والتربيةِ؛ يقفونَ في حيرةٍ أمامَ هذَا المشكلِ تشخيصًا وتحليلاً؛ بحثًا عن مكمنِ العلاجِ الناجعِ.
وتلكَ المشكلاتُ الأخلاقيَّةُ هي في الجُملةِ تتماس وواقع البشريَّةِ في الصميمِ، على اختلافٍ في العاداتِ والتَّقاليدِ والأعرافِ؛ ناهيكَ عن الاختلافِ المتجذِّرِ في العقائدِ والأديانِ والعباداتِ.
ولذلك أوجدَ الفكرُ الإنسانيُّ ضروبًا من الاجتهادِ، وكثيرًا من ألوانِ الحلولِ؛ ولكنَّها وقفتْ دونَ الوصولِ إلى حلولٍ جذريَّةٍ تأخذُ البشريَّةَ إلى شاطئ الأمانِ، خاصَّةً في عصرِ الفضاءِ المفتوحِ، ودخول الإنسانيَّةِ فيما يمثلُ واقعًا في القريةِ الكونيّةَِ؛ حتّى أصبحَ العاقلُ في حيرةٍ من أمرِه، بعد أنْ استعصتْ عليه أبوابٌ أغلقتها فنونُ الحضارةِ، واستولتْ عليها أفانينُ مبدعةٌ للتَّواصلِ، وأَسَرَتهُ نوافذُ مفتوحةٌ كانت إلى عهدٍ قريبٍ موصدةً.
وتتركَّزُ المعضلةُ الكبرى في الأثرِ البيَّنِ الذي لا تخطيهِ عينُ الرَّاصدِ، من ازدواجيَّةٍ في مجموعِ (القيمِ الإنسانيَّةِ) حتّى استفحلَ ذلك الأثرُ فطالَ جميعَ أنماطِ السلوكِ الاجتماعيِّ في بُعْدِه الأخلاقيّ تحديدًا.
وإذا كنّا نقرُّ -أولاً- بوجودِ تلك الازدواجيَّةِ الأخلاقيَّةِ فهي تختلفُ باختلافِ العصورِ، والأجناسِ، والجماعاتِ، وتحكمُها عواملُ مؤثرةٌ زمانًا ومكانًا.
كما نقرُّ-ثانيًا- أنَّ اختلافَ وجهاتِ نظرِ الناسِ إلى القيمةِ الأخلاقيَّةِ لا يعكسُ فقط اختلافَ نفسياتِهم وطرائقَ تفكيرِهم؛ بل إنَّ هذا الاختلافَ في وجهاتِ النظرِ والأهدافِ يبيّن -أيضًا- مكانة كلّ منهم وقيمته المعنويَّة، حيثُ نجدُ أنّه ما كانَ قيمًا أخلاقيَّة في زمانٍ ماضٍ قد أصبحَ غيرَ أخلاقيِّ في زمانٍ آخرَ، وما كانَ فضيلةً حيَّةً محسوبةً على ذات المجتمعِ أصبحَ رذيلةً، وما قدْ يكونُ (هنا) في مجتمعِنا أخلاقيًّا، أو يحملُ قيمةً أخلاقيَّةً قد لا يكونُ أخلاقيّاً، أو ذا قيمةٍ أخلاقيةٍ في بقعةٍ جغرافيَّةٍ أخرَى؛ وهكذا...
ولنا أن نقرَّ -ثالثًا- بأنّ هناكَ (قواسمَ من القيمِ المشتركةِ)، لا تغفل عنها الإنسانيَّةُ، سواء كانت ذات طابعٍ إيجابيٍّ أو سلبيٍّ، حُسنًا أو قُبحًا؛ ولكنَّ الطّامةََ الكبرى أنْ تتقاطعَ تلك القواسمُ المشتركةُ، أو تذوبَ في أتونِ الحضارةِ المعاصرةِ بعد أن أصبحَ العالمُ قريةً كونيَّةً صغيرةً، وأضحَى الفضاءُ بحرًا لا ساحلَ له، زاخرًا بكمٍّ هائلٍ من المشاربِ الثقافيَّةِ المتعدِّدةِ، والقيمِ المتنوّعة، في ظلِّ هذا العالم الذي يموجُ بشتّى القيمِ والأعرافِ والعاداتِ والتّقاليد.
الأمرُ الذي يجعلنا نقرُّ -رابعًا- أنَّ ما تراه أنتَ صوابًا وحقًا، قد يراه غيرك هراءً وخطأ، وما تراه سلوكًا معتبرًا يبصره غيرك هشًا لا قيمةَ له، وما تنادى به آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ، لا يُحفل به بحيثُ يعدّه البعضُ هرطقةً رخيصةً لا يُعتدّ بها، وما تراه عيبًا أو مسبّة يراه غيرك فضيلةً وحسنةً.
وعلى هذا؛ فلا يمكنُ لعاقلٍ كائنًا من كانَِ أن ينكرَ ما أحدثته ثورةُ الاتصالاتِ ووسائلُ المعرفةِ الحديثة من تقريبٍ للمسافاتِ بين المجموعاتِ البشريَّةِ شرقًا وغربًا، على اختلافٍ في العقائدِ والمللِ والنِّحلِ، وتنوّع العاداتِ والتّقاليد ما أحدثَ نوعًا من الامتزاجِ والتّقاطع والاختلاطِ؛ فضلاً عن التَّعارفِ والتَّداخلِ حدّ التجانسِ والتَّماثلِ!!
ومَا لمْ يعدْ خافيًا عن الجميعِ ذلك الدورُ الكبيرُ والمدهشُ الذي تلعبُه تلكَ الوسائلُ الإعلاميَّةُ بكلِّ تنوّعاتها وتجلياتها، وما تفرزُه من ثمينِ القيمِ وردائِه، فتشكلُ في نهايةِ المطافِ هذا الخليط الواسع من المعارفِ والقيمِ، حتّى وصلَ الحالُ ببعضِ الأممِ المهيمنةِ إلى إضفاءِ شرعيَّةٍ على جملةٍ من المفاهيم والتّوجهات كفرضٍ واجبِ الاتّباع، وقيمةٍ يجدرُ بالبقيةِ الامتثال لهَا، والاعتقاد بهَا.
السؤالُ المعنيّ: مَن يحفظُ لنَا قيمنَا الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة في ظلِّ هذا الطوفانِ الهائلِ ممّا تخرجُه لنا عباءةُ هذه القريةِ الكونيةِ، وفضاؤها المفتوحُ؟!

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store