Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الإرهاب قصة.. والديمقراطية مناظر

نخلط في العالم العربي، بين ما هو إستراتيجية وما هو تكتيك، بين ما هو أصيل وما هو عارض، بين ما هو حقيقي وما هو مزيّف، بين ما نريده حقًّا، وبين ما نزعم حتى لأنفسنا بأننا نريده.

A A
نخلط في العالم العربي، بين ما هو إستراتيجية وما هو تكتيك، بين ما هو أصيل وما هو عارض، بين ما هو حقيقي وما هو مزيّف، بين ما نريده حقًّا، وبين ما نزعم حتى لأنفسنا بأننا نريده.
وبسبب طول زمن عملية الخلط العربي "المنهجي" بين كل عناصر ما تقدم، في سياق عملية يظن من يقومون بها أنهم أدرى من شعوبهم بالمصلحة العليا، أو أنهم الأقدر على تحقيقها وحمايتها إذا لزم الأمر، على اعتبار أن الشعوب قاصرة، والحكومات قادرة، فقد بعض من في مواقع القرار حاسة التمييز بين ما قد ينفع وما قد يضر، وتلك -بظني- هي الطامة الكبرى.
في أحد مشاهد فيلم المنسي للسيناريست المبدع وحيد حامد، والفنان عادل إمام، يتكدّس المحرومون أمام شباك التذاكر بإحدى دور السينما، طمعًا في متابعة فيلم يستجيب لحالة من الحرمان المزمن لديهم، ويمتحنون به ذكورة كادت تنزوي بفعل العطش الطويل في زوايا النسيان، وفي معمعة الصراع للفوز بتذكرة، إلى دنيا تحاكي الحقيقة، وتتجسد فيها النساء، يسأل أحد المتزاحمين للفوز بتذكرة سينما صديقه: "الفيلم ده قصة ولا مناظر"؟!، أيّ هل تأتي مشاهد نساء المتعة في سياق قصة تمنحها المصداقية والتأثير في مشاهدين جائعين للمتعة، أم أنها مجرد مجموعة مناظر مثيرة لشباب، استبدّ بهم الشوق، حتى ما عادوا قادرين على الإنصات لقصة أو ترقب حلقات الفعل فيها؟!
للقصة جذور، وعناصر، ومكوّنات، ودراما تتصاعد مع الزمن، وتأتي في سياقها المشاهد محبوكة وعالية المصداقية، أمّا "المناظر" فهى خاطفة، لا تسمح لمن يراها بالتمعن في خلفياتها، ولا حتى باختزانها في الذاكرة لاستدعائها عندما تقتضي الظروف هذا الاستدعاء.
وما يجري في دنيا "المنسي" بين ما هو قصة، وما هو مناظر، يجري الآن أمام أعيننا، في صراع "مع" الإرهاب، أو "على" الإرهاب، بعضه دولي، تشارك فيه قوى عظمى، وأخرى أعظم، وبعضه إقليمي، تشنّه قوى إقليمية، بعضها لحساب ذاته، أو لحساب لاعب أكبر، أو لحساب مموّل أصغر.
أخطر ما في الإرهاب الذي اتّخذ من المنطقة العربية مسرحًا لعملياته، أن لديه من الأسباب ما قد يجعله "خطرًا مقيمًا" فيصبح هو القصة، فيما تجري بعض معالجاته، معتمدة على بعض "المناظر".
وهكذا.. فحين يتحدّث بعض مدّعي الثقافة عن أن "المهمّشين" في أوطاننا هم وقود الإرهاب، يتحرك "رد فعل" سياسي باتجاه تجميل بعض العشوائيات التي تؤوي مهمشين ينخرط بعضهم في الإرهاب، وحين يشير البعض الآخر إلى أن غياب الديمقراطية هو السبب، يتحرّك "رد فعل" سياسي أيضًا لإنتاج صناديق للتصويت، وطلاء مقار لمجالس يُقال إنها نيابية، واستدعاء كاميرات تنقل لحظات اختيار قيل إنها "حرة".. باختصار يجري استدعاء "مناظر" الديمقراطية لمواجهة "قصة" الإرهاب، ولأن الديمقراطية مجرد مناظر آنية، تعالج حرمان اللحظة، فإنها تتحوّل إلى مشهد عابر لا يملك آلية بقائه، ناهيك عن قدرته على محو جذور قصة الإرهاب.
وللإنصاف، فإن قصة الخلط في حكاية الديمقراطية، بين ما هو قصة وما هو مناظر، ليست حالة يستأثر بها العرب وحدهم، بل إن الخلط ذاته قائم لدى أمم زعمت أنها مهد الديمقراطية، حتى أقامت لها المعاهد والمراكز، ونصبت لحمايتها مؤسسات ترصد أداء الأمم الأخرى، وتحاسب الدول "المارقة" عليه، وإن كانت تلك الأمم تتعامل مع ديمقراطيتها وكأنها ملابسها الداخلية الحميمة، التي لا يجوز أن يرتديها سواها، فتسلم بحق شعوبها فيها، وتكتفي باستخدامها كأوراق ضغط في علاقتها بشعوب ودول أخرى.
خذ مثلاً قصة تقرير لجنة الاستخبارات بالكونجرس الأمريكي بشأن استخدام طرق تعذيب مبتكرة، أثناء تحقيقات مع معتقلين إسلاميين، وهو تقرير يقع في نحو ستة آلاف صفحة، ويفضح بجلاء أكذوبة حقوق الإنسان في الولايات المتحدة.
التقرير يدين إدارة الرئيس الجمهوري السابق جورج دبليو بوش، باستخدام التعذيب ضد معتقلين إسلاميين أغلبهم من العرب، وإرسال بعضهم إلى دول بمنطقة الشرق الأوسط لتعذيبهم خارج النطاق الجغرافي للقانون الأمريكي، لكن هذا التقرير ما كان سيرى النور لولا هزيمة الحزب الديمقراطي في الانتخابات التشريعية الأخيرة، على نحو يتحوّل معه الرئيس الأمريكي أوباما إلى بطة عرجاء طوال ما تبقى من رئاسته حتى عام 2016.
فالتقرير الذي ينذر نشره بتعريض مصالح أمريكية، ومواطنين أمريكيين حول العالم للخطر، يلقي بظلاله أيضًا على قرار سفارات غربية بالقاهرة إغلاق أبوابها، وتعطيل أعمالها خشية التعرّض لهجمات إرهابية.
في لحظة خطر توشك أن تعصف بنا، علينا أن نبدأ بالمواجهة مع أسبابه، وفي تلك المواجهة علينا أن نبدأ بذواتنا، فما لدينا من عوار في الفكر أنتجته قرون من حظر التفكير، ومصادرة المناخات التي تساعد عليه، يستحق أن نبدأ بالمواجهة معه، من منابر المساجد، وحتى معاهد العلم، ومنتديات الفكر، فالأحرار وحدهم يبدعون قصصًا حقيقية، لها جذور عميقة في تربة ثقافتهم، أمّا العبيد فيكتفون بالمناظر سواء أنتجوها بأنفسهم أو اكتفوا باستعارتها.
عندما تصبح الديمقراطية عندنا قصة، والإرهاب عندنا مناظر، لن يكون لدينا منسيون ينتجون الإرهاب، أو يوفّرون أجواءه، أو يكتفون باستهلاكه والتعايش معه، فالمواطن المنسي خطر وجودي يهدد صميم وجود الأوطان.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store