لكلّ بذرة ثمرة تتكاثر وتتشعّب؛ تذروها الرياح، فتنبت في كل مكان، وعلى كل أرض، إذا ما تهيأ لها المكان والزمان المناسبين، إنَّه الجو العام الذي به تتكاثر الثمار؛ فلكلّ ثمرة زمنها وأوانها وساعة حصادها، كذلك هو الإرهاب، له بذرةٌ، وله ثمرةٌ، له مكانه وزمانه وساعة حصاده، إنَّه كذلك الجو العام الذي به، وبسببه، تتكاثر بذوره، وتتنوع ثماره، وإنَّها لثمارٌ أشدّ مرارة من الزقوم، وإن اختلفت المفاهيم، وتنوّعت المفردات.
سمّه إنْ شئت إرهابًا، أو غلوًا، أو تطرفًا، أو بغيًا، أو عدوانًا، لا يهم كثيرًا بالقدر الذي يحمله ذلك الفكر، وما ينتج عنه من سوءات ومهلكات؛ تهلك الحرث والنسل!!
إذًا هناك بذرة، وهناك ثمار.
يقابل البذرة فكرة، ويينتج عنها فعلٌ وممارسة؛ وحسبك أنَّه سلوكٌ أداته الفكرة، والفكر لا يقمة له في العُرف إنْ بقى حبيس العقل، ولابد إذًا من تلك الشّحنة الذهنيّة الهائلة أن تخرج، فخرجت، فكان هناك قتلٌ، وكان هناك عدوانٌ، وكان هناك إفسادٌ، وكان هناك استحلال دماء!!
كان هناك بذرة، فكانت الثمار ذلك الهلاك، وأيّ هلاكٍ ممّا يمارسه حملت ذلك الفكر الشيطاني، وأيّ هلاك ممّا يصْدر عن فكرٍ منحرف بذرته الأساس دماغ تشبّع بماء آسنٍ، رائحته عفن، وطعمه زقوم!!
إنَّ المتتبع لتأريخ ذلك الفكر الآسن في ثنايا التأريخ؛ قبل معرفة حساب الأيام والسنيين، وما نتج عنه، وما صَدَر منه، وما صدَّره عبر تاريخه الطويل من فنون القتل، والتدمير، والفساد في الأرض؛ بل قد لا أجانب الصواب إن قلت: إنَّ أصول ذلك الفكر بذرت أول بذرة لها في ثنايا السماء يوم خلق الله آدم وحواء وكان إبليس بينهما.
كل ذلك الفكر الآسن إنَّما هو محصلة لأدمغة فاسدة، قد عمل فيها الآسن عمله، حتى استشرى، وأضحى أداة فاعلة في تفعيل كل ممارسة شيطانية.
فمنذ أن خلق الله الإنسان، لم يكن استخدام العنف أمرًا عارضًا أو مستجدًا؛ وإنَّما يُشّكل استخدام العنف أحد أبرز وجوه التحدي بين المخلوقات .. فإبليس أول مستخدم للعنف المبطن ضد الإنسان بدءًا مع آدم وحواء -عليهما السلام-، وهما في الجنة ومسألة استخلاف الإنسان في الأرض، حيث نرى الأنانية قد تحرّكت في إبليس كبير الشياطين، وعمل الحسدُ عمله في ذاته، ومع ذلك بدأت عملية الاختبار الأولى للإنسان الأول، وإذا ما كان سيطيع فيما كُلّف به، أم أنَّه سيُسْتدرج للخطأ، فكان الاختبار الأول من خلال الأكل من الشجرة، ونهي الإنسانين الأولين عن ذلك، فعمل إبليس ما استطاع في ممارسة الفتنة، فنجح؛ وبذلك يمكن القول: إنَّ هذه الواقعة هي أول عمليّة عنفٍ مبعثها شرارة فكرية في ذات إبليس، استحالت إلى قول منه، وإلى فعل من آدم وحواء، فتمّت الفتنة والإيقاع من إبليس ضدهما، وقد أخبر القرآن الكريم عن تفاصيل تلك القصة بقوله: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ).
إذًا؛ هي فكرة شريرة، مشحونة بغواية شيطانية، استحالت - كما قلت- إلى قولٍ، فممارسة، فكانت الفتنة والايقاع!!
هذه بداية، وللبداية بدايات أخر، أفكار تتبعاها أفعال، وللأفكار والأفعال نتائج لا محالة.
وهي إذًا بذرة، وللبذرة بذرات، تتنوع وتتلاقح فتتكاثر.
البذرة الأولى: لسان الغواية
تاريخ النشر: 19 ديسمبر 2014 02:23 KSA

لكلّ بذرة ثمرة تتكاثر وتتشعّب؛ تذروها الرياح، فتنبت في كل مكان، وعلى كل أرض، إذا ما تهيأ لها المكان والزمان المناسبين، إنَّه الجو العام الذي به تتكاثر الثمار؛ فلكلّ ثمرة زمنها وأوانها وساعة حصادها، كذ
A A


