Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

فرنسا غير!

بالطبع فإن فرنسا ليس كغيرها من الدول، فهي عاصمة الحرية والفن والثقافة، وهي البلاد التي أنجبت روسو ومونتيسكيو ونابليون وبودلير وموليير وهوجو وسيزان وجان دارك وسارتر وكامي وشارل ديجول وأندريه جيد وأن

A A

بالطبع فإن فرنسا ليس كغيرها من الدول، فهي عاصمة الحرية والفن والثقافة، وهي البلاد التي أنجبت روسو ومونتيسكيو ونابليون وبودلير وموليير وهوجو وسيزان وجان دارك وسارتر وكامي وشارل ديجول وأندريه جيد وأندريه مالرو وسارة برنارد وبريجيت باردو وكلود ليلوش وموريس جار وهكتور برليوز وإديث بياف وموريس شيفاليه، وهي التي تحتضن باريس (عاصمة النور) التي تتزين بقصر الأليزيه وبرج إيفل وجامعة السوربون وشارع الشانزليزيه وقوس النصر وحيها اللاتيني الذي أبهر طه حسين وتوفيق الحكيم وسهيل إدريس ويوسف إدريس ومئات المشاهير من المثقفين والفنانين العرب. ولأن فرنسا تعني كل ذلك فإنها لا بد من أن تستقطب اهتمام وتعاطف العالم كله عندما تواجه تلك العاصفة الإرهابية العاتية التي تعرضت لها نهاية الأسبوع الماضي بدءًا من الهجوم الإرهابي الذي استهدف مجلة شارلي إيبدو الأسبوعية وما تلاه من اشتباكات بين الإرهابيين وقوات الأمن الفرنسية في مطبعة بالقرب من باريس، ثم في المتجر اليهودي، وما أسفرت عنه تلك العمليات الثلاث من سقوط 17 قتيلًا من بينهم رئيس تحرير المجلة وأربعة من رسامي الكاريكاتير فيها، وشرطية، وشرطي من أصول عربية. هذا التعاطف الملفت - والذي يذكر بالتعاطف الدولي مع الولايات المتحدة على إثر هجمات 11 سبتمبر الإرهابية - أمكن رصده من خلال ردود الفعل العالمية التي صدرت في أعقاب تلك الهجمات، ومشاركة العديد من رؤساء وممثلي الدول في تظاهرة أمس المليونية التي شهدتها باريس بما في ذلك رئيس وزراء بريطانيا دافيد كاميرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والملك عبدالله الثاني ورئيس الوزراء التركي أحمد داود أوجلو والرئيس الفلسطيني محمود عباس إضافة إلى الرئيس الفرنسي أولاند وأحزاب ونقابات وشخصيات سياسية وثقافية وإعلامية ومجموعات دينية يهودية ومسيحية ومسلمة من فرنسا ومن دول شتى.
وقد جاء اجتماع وزراء الداخلية في دول الاتحاد الأوروبي بالتزامن مع هذه التظاهرة الحاشدة غير المسبوقة في تاريخ فرنسا المعاصر ليضع فرنسا في موقع «عاصمة مكافحة الإرهاب» في القارة العجوز وليثير العديد من علامات الاستفهام أكبرها: وماذا بعد؟.. وكيف يمكن وضع حد للخطر الإرهابي الذي لم يعد يستثني أحدًا وبعد أن تولدت القناعة لدى الجميع بأن الإرهاب لا دين ولا وطن ولا لون ولا جنسية له، وأن الحل الأمني لا يكفي وحده في المواجهة مع الإرهابيين.
بالطبع العالم لم يعد يتقبل حلولاً عسكرية كالتي أعقبت هجمات 11 سبتمبر الإرهابية وتمثلت في غزو أفغانستان والعراق وأدت إلى زيادة موجة الإرهاب عبر العالم.
كما أن العالم لم يعد يخفي قلقه من تنامي هذه الظاهرة في ظل سياسة ازدواجية المعايير التي تنتهجها الأمم المتحدة وواشنطن، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية لأكثر من 47 عامًا، وغض الطرف عن ممارسات النظام السوري الوحشية في حق شعبه لأكثر من أربعة أعوام، إضافة إلى التدخلات الإيرانية في سوريا ولبنان والعراق واليمن وغيرها من بلدان المنطقة إلى جانب دعمها للعديد من التنظيمات الإرهابية.
مجزرة باريس أكدت على أهمية وضع قوانين عقابية لمن ينتهك حرمة الأديان ورموزها سبًا أو إهانة أو سخرية، لأنه ليس من المعقول دفاع العديد من دول الغرب عن حقوق المثليين، واعتبار اللا سامية والتشكيك بالهولوكوست جريمة يعاقب عليها القانون، ويعتبر - في الوقت نفسه - التهجم على الإسلام ورموزه مظهرًا من مظاهر حرية الرأي، لاسيما بعد أن ثبت أن مثل هذه الممارسات توفر المبرر للإرهابيين وجماعات التطرف الإسلامية لممارسة هوايتهم المفضلة في القتل والتخريب والتدمير، كما أن على أوروبا أن تدرك جيدًا أن هذه الجماعات لا تمت بصلة للدين الإسلامي الحنيف.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store