رغم كل الظنون والأوهام لدى كثيرين، قد يكون الوجود على كرسي الحكم في بلدٍ مثل السعودية تكليفاً لا يُحسد عليه صاحب الشأن أياً كان.
ثمة موعدٌ متجدد لهذا البلد مع التاريخ؛ من الجهل إنكاره. وهو موعدٌ له مُستتبعات ومقتضيات معقدة، تتجاوز حدوده لتتعلق بحاضر العرب والمسلمين ومستقبلهم، ثم تتجاوز هذا الفضاء أيضاً في اتجاه العالم بأسره. ذكرنا عناصر هذه الرؤية ونعيد التأكيد عليها هنا للضرورة القصوى.
استخدم أي قراءةٍ تختارها. ستصل إلى النتيجة التي نتحدث عنها، وستجد دائما عناصر استثنائية تشير إلى ذلك الموعد الذي ذكرناه لهذا البلد مع التاريخ.
بالقراءة التاريخية. يظلُّ ثابتاً أن هذا البلد هو منبت (العروبة) ومهد (الإسلام). كلمتان أصبحتا في بؤرة التاريخ المعاصر، وانغرستا في قلب صناعة الحدث العالمي الراهن. ويكفي لمن يتساءل حول طرحنا أن يفكر بشيء من الهدوء والشمول في الواقع العالمي الراهن.
بالقراءة الاقتصادية. يظل ثابتاً أن أرض هذا البلد تحوي الخزين الأكبر من وقود الاقتصاد العالمي المعاصر: (البترول). قد يدرك بدقةٍ أكبر ما يعنيه هذا بالنسبة للسعودية وللعالم من يقرأ ما يُكتب في العالم من تقارير ودراسات. لكن الموضوع يبدو من البداهة بحيث لا يحتاج الأمر لقراءة ولا تفصيل.
بالقراءة الدينية. يظل ثابتاً أن الحرمين الشريفين موجودان في هذا البلد. وأنهما سيبقيان مهوى أفئدة مئات الملايين من بني البشر، بكل ما يحمله ذلك من مهماتٍ ومسؤولياتٍ وتشريف.
وبحسابات الجغرافيا/ السياسية. يظل الموقعُ الاستراتيجي للسعودية ثابتاً لايمكن زحزحته. في قلب الشرق الأوسط، من حولها دول الخليج والعراق و(إسرائيل) وبلاد الشام. على مرمى حجر من (إيران) وقناة السويس ومضيق باب المندب. تفصلها بعض الأمواج عن دول حوض وادي النيل. دولٌ ومناطقُ بات يعرف حساسيتها الراهنة في السياسات الدولية كل مواطن عربي، فضلاً عمن يعرف شيئا عن السياسة.
هكذا يتشكَّل التحدي الفريد. تحدي المسؤولية المضاعفة الذي تصدى له الراحل عبدالله بن عبدالعزيز منذ عقدٍ من الزمان، بعد عقود سابقة من المسؤوليات المختلفة. وخلال هذا العقد تأسست مدنٌ اقتصادية وطبية وجامعاتٌ جديدة في سائر أنحاء المملكة. الاقتصاد والصحة والتعليم، المداخل الرئيسة للتعامل مع ثلاثية الفقر والمرض والجهل. وهذا يمثل استثماراً رئيساً في محور وجود الشعوب والأوطان: الإنسان. وهو استثمارٌ ستظهر نتائجه الاستراتيجية مع الأيام في عمليةٍ تتجاوز ملابسات أي واقعٍ راهن، بحيث يظهر بعد ذلك أن المبادرة لزراعة البذرة كانت هي الخطوة الأكثر أهميةً وضرورة.
ومع الأمر ببناء نصف مليون وحدة سكنية للمواطنين، وزيادة عدد المبتعثين للتعليم بنسبة 50%، ودخول المرأة إلى مجلس الشورى، وإنشاء الهيئة العامة للإسكان ثم وزارة الإسكان وهيئة الخطوط الحديدية وجمعية حماية المستهلك وشركة المياه الوطنية، وتوسعة مشاعر الحج والحرمين، وشق وتوسعة الطرق السريعة، والعمل على المصالحة بين الفصائل الفلسطينية والفصائل الصومالية، ومحاولة تحديد تعريفٍ دوليٍ شامل لموضوع (الإرهاب) يتعامل مع جذوره وأسبابه، وغيرها من المبادرات، يظهر مصداق المسؤولية التي نتحدث عنها معبراً عن حاله بلغة المشاريع والأرقام التي تكون دائماً أبلغ من الكلام النظري المجرد.
لكن التاريخ يمضي كما شاءت إرادة الله، وها هي المسؤولية بكل أثقالها تنتقل إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز، صاحب الخبرة الطويلة في الحكم والإدارة، ويحصلَ ذلك في لحظةٍ في غاية الحساسية، ليس فقط في تاريخ المملكة، بل وفي تاريخ العرب والمسلمين والعالم بأسره. إذ لا يخفى على أحد خصوصية المرحلة الانتقالية التي تمر بها البشرية اليوم سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً. كما لا يخفى على أحد التأثير المباشر وغير المباشر للسعودية في كل مجالٍ من تلك المجالات. خاصةً مع التداخل الكبير بين شؤون الدول والمجتمعات في هذا العالم الذي بات قريةً صغيرة بكل ما في الكلمة من معنى.
لكن ثمة مسؤولية أخرى قد لا تبدو واضحةٍ للعيان كما هو الحال في المجالات المذكورة سابقاً، وتتمثل في المجال الثقافي الذي يكمن، عملياً، وراء كل المشكلات التي يعانيها العالم في تلك المجالات. ويبرز هنا عنصرٌ أساسي بات يلعب دوراً رئيساً في العالم يتمثل في طبيعة وترتيبات العلاقة بين ما هو (سياسي) وما هو (ديني). وهو عنصرٌ يتعلق بشكلٍ وثيق بالتجربة السعودية على صعيد الدولة والمجتمع على حدٍ سواء.
والحقيقة أن البشرية لم تستطع، عملياً، أن تفكك العلاقة بين ما هو ديني وما هو سياسي رغم كل المحاولات على صعيد النظرية أو في أرض الواقع. فرغم محاولات الفصل الكامل بين الأمرين ردحاً من الزمن، لكن العامل (الديني) سرعان ما عاد ليفرض حضوره على العالم بشكلٍ أو بآخر، خاصةً مع موجات الهجرة إلى أوروبا وأمريكا وما نتج عنها من ردود أفعال ثقافية وسياسية واجتماعية وقانونية. ومع ظهور الدولة العبرية كدولةٍ يهودية، ثم مع (الثورة) الإيرانية وهزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وظاهرة (الصحوة الإسلامية)، وأحداث سبتمبر وما تلاها، وصولاً إلى الواقع العربي في السنوات القليلة الماضية، وما أظهره من تداخلات عميقة ومتزايدة بين السياسي والديني.
لهذا تظهر أهمية النموذج السعودي في هذا المجال. فخصوصية العلاقة بين (السياسي) و(الديني) لا تظهر في أي بلدٍ في العالم كما تظهر في المملكة. وهنا، لا تبدو ثمة إمكانية لتجاهل هذه العلاقة بشكلٍ عام، لا على المستوى الرسمي ولا على المستوى الشعبي. وفي حين يلتفُّ البعضُ، ساسةً أو مثقفين، حول الموضوع بأساليب مصطنعة، في بلادٍ عربيةٍ أو إسلامية أخرى، تبدو المملكة مدركةً تماماً لحقيقة وجود العلاقة المذكورة. مع إدراك حتمية تطوير صياغاتها وقوانينها على الدوام.
نحن إذاً بإزاء مجتمعٍ فريدٍ إلى حدٍ ما في هذا العالم، لاتجد فيه القيادة السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، ولا تجد فيه غالبية شرائح الشعب، تناقضاً بين فعل (الإيمان) من جهة وفعل (السياسة) الذي تُختزل فيه عادةً ممارساتُ التخطيط والتنمية من جهةٍ أخرى.
لكن تلك الحقيقة لا تتناقض أيضاً مع الإقرار بإمكانية تغيير طريقة النظر إلى ما هو (ديني) وما هو (سياسي)، ولا مع تقديم صياغاتٍ جديدة ومتطورة للعلاقة بينهما. وهو يعني أن فعل (الإيمان) يجب أن يُصبح رافعةً للتطوير والتنمية في كل المجالات، فضلا عن كونه سبباً للاستقرار والاستمرار. إذ تبينَ أن محاولة حصر ذلك الفعل في توليد المشروعية لا يؤدي فقط إلى قتل كمون الإعمار الموجود فيه، بل إنه قد يصبح في نهاية المطاف مصدراً لطريقةٍ في التفكير والحياة تؤدي أول ما تؤدي إلى تهديد الاستقرار والاستمرار على جميع المستويات..
ثمة معنىً واضح في كلمة (مسؤول) باللغة العربية يتكامل تماماً مع كلمة (المسؤولية). ومع طبيعة سير التاريخ إلى الأمام، يبقى الأمل كل الأمل في نقلةٍ جديدة تشهدها المملكة داخلياً وخارجياً، لتؤكد قدرتها على الارتقاء المتواصل لمعانقة قدرها وموعدها الدائم مع التاريخ.
مسؤولية القيادة في السعودية بين الملك عبدالله والملك سلمان
تاريخ النشر: 25 يناير 2015 01:45 KSA
رغم كل الظنون والأوهام لدى كثيرين، قد يكون الوجود على كرسي الحكم في بلدٍ مثل السعودية تكليفاً لا يُحسد عليه صاحب الشأن أياً كان.
A A


