هناك مساحةٌ فاصلةٌ وقصيرةٌ جدّاً ما بين لحظةِ حزنٍ تعمُّ القلبَ وتعتصره، وتستولي على سودائه، وبين أخرَى يتزيَّا فيها ثوبُ المبايعةِ والمباركةِ؛ فقليلاً ما تجتمعُ في الآن ذاتهِ تلكما الصّفتان المتباعدتان حدَّ التناقضِ.
كان يوم الجمعة المبارك 23 يناير/ كانون الثاني 2015م هو ذلك اليوم الذي احتضنته تلك المساحة الزّمنيّة القصيرة، فما بين خبر وفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته- وبين تولية الحكم لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- تبدو -في تلك المساحة الفاصلة- أوجه المفارقة.
مساحةٌ زمنيّةٌ قصيرةٌ تجمّعتْ فيها أعين تدمع وتبكي، وأيادٍ تبايع وتهنئ..!!
أعين على مساحة هذه المعمورة تنثر دموعها، ولسانُ حالها يقول: "حكمتَ.. فعدلتَ.. فنصحتَ.. وإلى جوارِ ربِّكَ آويتَ"؛ وأيادي الأمّة السعودية تمتدُّ للملك سلمان -حفظه الله- ولسانُ حالها يقول: "خيرُ خلفٍ لخيرِ سلفٍ.. فعلَى كتابِ اللهِ وسنّةِ نبيّهِ بايعنَاكَ".
على تلك المسافة يحضر السؤال:
مَن الذي جعل لهذه المساحة الزمنية القصيرة أن تبدو -على الأقل- في ظاهرها متناقضة؟
لا شيء؛ غير إرادة الله، وعنايته، وحكمته جل في علاه..!!
ففي أرقى بلدٍ في عالم الديمقراطيّة، أو مواطن الحريّة والانفلات، أو عالم الانتخاب ورفع النياشين تتعالى أصوات المعارضة، وتقوم الدّنيا ولا تقعد إذ سقط رئيسها، أو مات.. وهنا فقط؛ يدٌ ممدودةٌ تبايعُ وتباركُ في زمنٍ لا يتجاوزُ الثوانِي في عالم الحساب، دون عواء الأصوات، ورفع رايات الكذب والخداع.
لا شيء؛ غير إرادة الله وعنايته وحكمته جلّ في علاه..!!
في أرقى بلد في العالم، يكثر النّحيب، وتطوف جنائز الرّؤساء والملوك، وبعض عِلية القوم الشوارع والأزقّة، تعبرها وتمخرها، فلا تسمع إلاّ عويل المدافع ترسل أصواتها، وهنا فقط؛ صوتٌ واحدٌ يقولُه الجميعُ دونَ استثناءٍ: "رَحِمَكَ اللهُ أيُّهَا الملكُ الصّالحُ"، وصوتٌ آخر يقولُ:" بايعنَاكَ يا سلمانُ"، فينتقل الحكم دون صخب، أو ضجيج، أو عويل، ودون نيشاين تُرفع، أو رايات تُعلّق.
لا شيء؛ غير إرادة الله وعنايته وحكمته جلّ في علاه..!!
في ثلاثة أيام.. حضرت الدّنيا؛ تجرّ وراءها زعماءها، وملوكها، ورؤساءها، في مكان واحد (تعزّي)، و(تبارك).
لا شيء؛ غير إرادة الله وعنايته وحكمته جلّ في علاه..!!
في أيامٍ معدوداتٍ تبارت فيها الأمّة السعودية صغيرها وكبيرها، شبابها وكهولها، رجالها ونساؤها، على أبواب إمارات المناطق، تسبقهم أدمعهم، على ملك مات، قال لهم ذات مرة: "لا تنسوني من دعائكم"، وأياديهم تمتد إلى ملك جديد يباعهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: "أسأل الله أن يوفقني لخدمة شعبنا العزيز، وتحقيق آماله، وأن يحفظ لبلادنا وأمتنا الأمن والاستقرار، وأن يحميها من كل سوء ومكروه".
لا شيء؛ غير إرادة الله وعنايته وحكمته جلّ في علاه..!!
وصفحة من صفحات التّأريخ تُضاف إلى صفحاته.
عينٌ بكتْ.. ويدٌ بايعتْ!!
تاريخ النشر: 30 يناير 2015 03:17 KSA
هناك مساحةٌ فاصلةٌ وقصيرةٌ جدّاً ما بين لحظةِ حزنٍ تعمُّ القلبَ وتعتصره، وتستولي على سودائه، وبين أخرَى يتزيَّا فيها ثوبُ المبايعةِ والمباركةِ؛ فقليلاً ما تجتمعُ في الآن ذاتهِ تلكما الصّفتان المتبا
A A


