منذ اثني عشر عاماً، نشرتُ في صحيفةٍ زميلة مقالاً بعنوان (اجتثاث العنف بالحكمة والاعتدال: السعودية نموذجاً). كانت ملامحُ سياسيةٍ متميزة ومتكاملة تتضحُ للمراقب آنذاك، قبل ظهور نتائجها بفترة. من هنا، ذكرتُ في مَعرض الحديث أننا بصدد نموذج «يَظهر من وجهة نظر التحليل السياسي المُقارِن، أنه سيكون متميزاً وأكثر فعاليةً ونجاحاً من تجارب أخرى كثيرة حاولت التعامل مع الظاهرة خلال السنوات القليلة الماضية. وإذا سارت التجربة قُدُماً وفق الخط المتوازن الذي يراه من يراقب الأوضاع بشكلٍ علمي، فستُصبح نموذجاً يمكن الاستفادة منه بشكلٍ كبير، إذا ما أُريد للعالم حقاً أن يتخلص من ظاهرة العنف والإرهاب ومن آثارها المدمرة في كل مكان».
وبعد عرض مكونات التجربة وعناصرها، انتقل الحديث إلى «الفرق في رد الفعل الرسمي بين التجارب السابقة والتجربة التي نحن بصدد الحديث عنها. فمن المعروف في التجارب الأخرى أن السلطة اعتمدت بشكلٍ مطلق على الحل الأمني، وأنها لم تستوعب جهود المجتمع المدني في التعامل مع المشكلة، ولم تقم بأي مبادرات وممارسات سياسية تدل على وعيٍ بأن حل المشكلة من جذورها يتطلب منظومةً متكاملة من العمل السياسي والاجتماعي والثقافي والإعلامي، وأن العناد والإصرار على تجاهل حقائق الواقع والقفز من فوقها لاعتماد الحل الأمني وحده لا يعني سوى الهروب الآني من مواجهة المشكلة، وإبقاء جذوتها مشتعلة في رماد الصدور حتى يأتي ظرفٌ مناسب تعود فيه النيران للاشتعال وربما بشكلٍ أقوى لهيباً بكثير..».
خلال فترةٍ قصيرة نسبياً، أثبت النموذج نجاحهُ الكبير في إنهاء ظاهرة الإرهاب التي كانت تضرب المملكة، في تلك الأيام، بشكلٍ يعرف المتابعون حجمه وخطورته. وظهرَ جلياً أن الرؤية التي كانت وراء النموذج تمتلك درجةً عالية من الإحاطة بجملة العناصر المعقدة التي تُشكلُ ظاهرة الإرهاب. وأنها كانت تُدرك، بالتالي، حتمية التعامل معها جميعاً بعيداً عن الاختزال والتسطيح، وبعيداً عن إيحاءات ضغط اللحظة الراهنة. وأنها كانت تتميز بالحزم والحسم في فرض السياسات التي تُحقق الهدف، بغض النظر عن عمليات التشكيك وأحياناً (المزاودات) التي تتميز، على الأقل بقُصر النظر، حتى لاندخل في تأويل النيات.
في مقابل ذلك، سارَ النظام الدولي على مدى عقدٍ من الزمان في اتجاهٍ يكاد يكون معاكساً تماماً. فلم يقم بمبادرات سياسية واقتصادية وإعلامية وثقافية، أقلهُ على المستوى الإقليمي، تُحاصر إمكانيات قيام حواضن أهلية للإرهاب وأهله. والأخطر أنه لم يتعامل بحسم مع (إرهاب الدولة) الذي مارَسته، ولاتزال، دولٌ إقليمية، إن بشكلٍ مباشر ضد شعوبها، كما هو الحال بالنسبة للنظام السوري وداعميه المعروفين. أو من خلال الدور الرئيس لهذه الدول في إنشاء كيانات (إرهابيةٍ) جديدة لم يكن لديها إمكانات أو وجود، لكنها أصبحت ظاهرةً تُرعبُ العالم بممارساتها، وبسرعةٍ وقدرات تثير الكثير من التساؤلات.
أدى هذا، بطبيعة الحال، إلى خلق ظروف مناسبة تشتعل فيها النيران في المنطقة، وبشكلٍ غير مسبوق. ثم اكتملت المأساة مع العناد والإصرار على تجاهل حقائق الواقع والقفز من فوقها لاعتماد الحل الأمني وحده طريقاً للتعامل مع المشكلة كما هو الحال الآن.
«أهلُ مكة أدرى بشعابها» كما هو معروف. ومع مجمل التطورات الأخيرة، يبدو طبيعياً أن يتقدم أهل التجربة السعودية الناجحة لاستلام الراية في التعامل مع ظاهرة الإرهاب في المنطقة بأسرها، بنفس الإحاطة في الرؤية، والشمول في الممارسات، والحزم في تطبيق السياسات المطلوبة.
قد تتميز ممارسات بعض أطراف النظام الدولي بالهزل والمُقامرة أحياناً، لكن المؤكد أن هؤلاء يحترمون في النهاية الحزم المذكور، خاصةً حين يُبنى على رؤية تُظهر استحالة السيطرة على مسار النيران.. وأن بإمكانها في النهاية أن تحرق الجميع.
في (تدويل) التجربة السعودية (الأصيلة) للتعامل مع التطرف
تاريخ النشر: 08 فبراير 2015 04:14 KSA
منذ اثني عشر عاماً، نشرتُ في صحيفةٍ زميلة مقالاً بعنوان (اجتثاث العنف بالحكمة والاعتدال: السعودية نموذجاً). كانت ملامحُ سياسيةٍ متميزة ومتكاملة تتضحُ للمراقب آنذاك، قبل ظهور نتائجها بفترة.
A A


