Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

حروب الجيل "الخامس".. عصر الحرب على الجماعات

الصراع الدائر في العالم العربي، ليس بين دولة ودولة، ولا حتى بين دولة وفكرة، ولا هو بين دولة وجماعة، وإنما هو في جوهره صراع بين ماض يريد أن يحكم المستقبل، وبين مستقبل لا يملك الحاضر مقومات ولادته سليمً

A A
الصراع الدائر في العالم العربي، ليس بين دولة ودولة، ولا حتى بين دولة وفكرة، ولا هو بين دولة وجماعة، وإنما هو في جوهره صراع بين ماض يريد أن يحكم المستقبل، وبين مستقبل لا يملك الحاضر مقومات ولادته سليمًا عفيًا، ولا يملك أغلب صُنّاعه ما يكفي من طاقة، ولا من فكر، ولا من إرادة لتمكينه من الانتصار.. وهذا ما أُسمِّيه "حروب الجيل الخامس".
فبينما يخوض النظام الإقليمي العربي برمته صراعًا أصبح "داميًا" فوق أرضه من أجل مجرد البقاء، تتسع ساحات الصراع، لتمتد المواجهة مع قوى الماضي فوق ساحات حرب الفكر، وحرب الاقتصاد، وحرب المجتمع، وحرب الثقافة، وحرب العلم، ثم أخيرًا حرب الحرب.
اتساع ساحات المنازلة في العالم العربي، يفاقم المعاناة، فلا يزيل غموض الحاضر، ولا يستجلي صورة المستقبل، إذ يدور بين ماض يستدعي الشراسة والترويع والعنف، وبين حاضر يشكو أغلب من يعايشونه التهميش الاجتماعي والسياسي والعلمي، وبين مستقبل لا تخفي حجب الزمان عجز جل رجاله عن استحضاره كما ينبغي للحضور أن يكون.
المشهد بطول الساحة العربية وعرضها، ينقل صورًا شتى للصراع بين الدولة التقليدية، وبين الجماعات، بدءا بجماعة الإخوان، وليس انتهاء بجماعة الحوثي، وداعش، والنصرة، وأنصار الشريعة، وفجر ليبيا، وحزب الله، وأجناد بيت المقدس... إلخ القائمة.
هذه الجماعات لم تنبت في الفضاء، بل وجدت التربة، والمناخ، والحضانة، والرعاية، وقد نبت أغلبها بيننا، مستفيدًا من بيئة تهيأت له، ومن ثقافة احتضنته ووفرت له الأمان، بل وأسبغ بعضها عليه هالات من التقديس جعلت الاقتراب منه بالنقد أو بالكشف إحدى الكبائر.
لكل هذا فإن المواجهة مع تلك الجماعات، تبدأ في الداخل أيضًا، بتقليب التربة، وتجديد الفكر، وتحرير العقل، ومراجعة وتدقيق التراث، وتطوير برامج التعليم، بما يُؤهِّل الأجيال القادمة، لخوض السباق نحو المستقبل.
باختصار.. فان المواجهة بين الدول العربية -وكلها تقليدية- وبين جماعات العنف المسلح -وجلها يلتحف بالدين- تبدأ وتنتهي في ساحات استحضار الدولة الحديثة، بكل قيم الحداثة، وبعقد اجتماعي جديد، يستوعب قيم العصر.
ما يجري الآن بطول الساحة العربية وعرضها، هو محاولة من "الدولة" العربية، لطرد أرواح الجماعات الشريرة، لكن صرف عفريت الجماعات الشريرة، لن يتم بنجاح قبل استدعاء روح الدولة الحديثة، عبر التخلص من الأسباب التي "حضرت" عفريت الجماعات، وأولها تقاعس الدولة في العالم العربي عن مهام وأدوار أساسية تجاه مواطنيها.
في هذا السياق، فإن الحرب ضد الانقلاب الحوثي في اليمن، هي محاولة لاستعادة "الدولة" من قبضة "الجماعة"، فهي ليست حربًا طائفية، لكنها يجب أن تكون معركة حضارية، بكل ما في الكلمة من معان سامية، تستوعب حقائق الوضع على الأرض، ولا تسعى للصدام معها، فأخطر التحديات التي يجب أن تستوعبها "عاصفة الحزم" ليست الحوثيين فحسب، ولا بقايا نظام على صالح، ولا رجال خامنئي في اليمن، وإنما ثمة ثلاث حقائق أساسية:
- الأولى: أن باليمن شعب قديم جدًا، عريق جدًا، مفهوم الوطن عنده يسكن خلايا نسيجه الداخلي ويتمترس فيها.
- الثانية: أن هذا الشعب القديم جدًا هو في جوار جغرافي أبدي مع من يخوضون الصراع من أجله فوق أرضه.
- الثالثة: أن "عاصفة الحزم" ليست حربًا على اليمن لكنها حرب من أجل اليمن، ساعية إلى استدعاء المستقبل، ودحر جماعات تريد استدعاء الماضي.
عملية استحضار المستقبل لمواجهة من يريدون استدعاء الماضي، بدأتها الدولة العربية بمعناها التقليدي، وهي لا يمكن أن تكتمل ما لم تلحق الدولة العربية بقطار الحداثة فكريًا وعلميًا وثقافيًا ومؤسساتيا.. الحداثة هي الحل.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store