Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

تعدد الرجل.. والشهادة المرأة

No Image

في مقالٍ سابقٍ ذكرتُ أنّ المفكرَ الصّادق المهدي في كتابه (نحو مرجعية إسلامية متجددة) يدعو إلى تجديد الفكر الإسلامي، من خلال ثورة ثقافيّة إسلاميّة في أمر المرأة، تطرد المفاهيم المكرّسة لدونيتها، ويبرز

A A
في مقالٍ سابقٍ ذكرتُ أنّ المفكرَ الصّادق المهدي في كتابه (نحو مرجعية إسلامية متجددة) يدعو إلى تجديد الفكر الإسلامي، من خلال ثورة ثقافيّة إسلاميّة في أمر المرأة، تطرد المفاهيم المكرّسة لدونيتها، ويبرز المهدي في هذا السّياق مجموعة من القضايا المتعلّقة بالمرأة، منها (ميراث المرأة) الذي تمّ الحديث عنه سابقًا، أمّا (التّعدد)، و(الشهادة)، فهي موضوع مقال هذا الأسبوع.
يشير صاحب الكتاب إلى أنّ الكثير يقولون: «إنّ المرأة ربع الرجل»، وهي إشارة واضحة لتعدد الزّوجات، والحقيقة تقول: إنّ هناك عدم توازن نوعي بين الرجل والمرأة، فالرجل دائمًا على استعداد للعلاقة الجنسيّة؛ ولكن المرأة مقيّدة بظروف تعطل استعدادها كالحيض، والحمل، والنّفاس، كما أن الرجل والمرأة مختلفان في عمر الخصوبة، فخصوبة الرجل تبدأ منذ البلوغ وحتى الوفاة، أمّا المرأة فمحدّد بانقطاع الحيض؛ وانقطاعه لا يعني انتهاء دورها الإنساني كمواطنة ومؤمنة.
فالتعدّد ليس واجبًا، أو فريضة إسلاميّة؛ بل هو رخصة مشروطة بالعدالة، فهناك اختلاف في التّوازن العددي بين الرجال والنّساء، سببه أنّ ظروف الشّدة كالحروب -مثلاً- تنقص عدد الرجال، وفي ظروف الرّخاء تزداد نسبة المواليد من الإناث؛ فضلاً عن أنّ المناخ الثّقافي العام، والعرف في الحاضر جعل المرأة تستبعد فكرة أن يكون لها (ضرّة)، فإذا كانت المرأة تتوقّع عدم التّعدد، فإنّ وقوعه سيتسبّب في تهديد كيان الأسرة، وهذا يقوّض ركنًا أساسيًّا من مقاصد الشّريعة في الزواج: (ومِنْ آيَاتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، فانتفاء المودة والرحمة خطر كبير على نظام الأسرة.
إذن هناك معطيات تتطلّب التعدّد، وهناك ظروف تمنعه، وفي الشّريعة الإسلاميّة لا يجب الوقوف عند حدّ النّصوص؛ بل يؤخذ في الحسبان عوامل أخرى، أهمّها مقاصد الشريعة، والحكمة، والعرف، وظروف الزّمان والمكان، والمصلحة، وهي عوامل ينبغي أن تؤخذ عند صياغة الأحكام، فلا يكتفي فقط؛ بالمنطق الصّوري في بناء الأحكام.
ويدعو الصّادق المهدي إلى ضبط التّعدد على الأقل بموافقة الزوجة المعنيّة، وألّا يؤسس لدونيّة المرأة؛ لأنّ هناك نصوصًا واضحة في المساواة بين الرجل والمرأة إنسانيًّا وإيمانيًّا (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ)، (يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى)، فالزواج المعهود بأركانه المعروفة يواجه مشكلات ينبغي أن تدرس لإيجاد صيغة شرعيّة ميسّرة للعلاقة بين المرأة والرجل.
أمّا فيما تعلّق بشهادة المرأة كما يقول تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى)، فيرى الصادق المهدي في هذا النّص حجة قائمة على أنّ النّساء لم يعتدن العمل في هذا المجال؛ فالآية تتحدّث عن معاملة لم تكن ممّا اعتادت عليه النساء في ذلك الوقت، وهي التّداين؛ ولكن ماذا لو كانت المرأة على دراية بالأمر المراد الشّهادة بشأنه؟ قال الإمام أحمد بجواز شهادة المرأة المنفردة إذا كانت أهلاً لذلك، وعلى كلّ حال، فالشّهادة لا تدل على قيمة إنسانيّة أو إيمانيّة، فقد قال معاوية بن أبي سفيان: إني لأردّ شهادة من أرجو أن انتفع بدعائهم، بمعنى أنّ هؤلاء الصّالحين تشغلهم تسبيحاتهم وعبادتهم فلا يكونون حاضري الذّهن للشّهادة. وفي ظروفنا المعاصرة لا يمكن أن نحكم بأنّ شهادة امرأة متعلّمة ومؤهلة في مجال معيّن -مثلاً- نصف شهادة رجل عادي لا تأهيل له في هذا المجال، وإنْ حدث ذلك فقد جعلنا من الشّريعة أضحوكة، ومعاذ الله من ذلك.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store