قبل ساعات استكملت داعش السيطرة على نصف سوريا بعدما تمكنت من احتلال تدمر بالكامل، وقبلها بأيام كانت داعش قد اجتاحت الرمادي عاصمة محافظة الأنبار أكبر محافظات العراق، وسيطرت عليها بالكامل أيضاً.
وفيما كان الرئيس الأمريكي أوباما يعرب عن صدمته لسقوط الرمادي في العراق بقبضة داعش، معتبراً أن الوضع الجديد يبرر الاستعانة بإيران الداعمة لقوات الحشد الشعبي (الشيعية) لتحرير الرمادي ( السنية)، كانت باريس تتحدث عن استضافة مؤتمر دولي حول العراق وسوريا في الثاني من يونيو المقبل تشارك فيه الولايات المتحدة، بينما كانت الأمم المتحدة تدعو الى مؤتمر دولي آخر بشأن اليمن ينعقد في جنيف خلال أيام.
وبقدر ما يعكس مؤتمران دوليان بشأن مستقبل ثلاث دول عربية، مستوى القلق الدولي بشأن الاستقرار في المنطقة، فإنهما يعكسان أيضا تردي حال المنطقة التي أصبح مستقبل قضاياها المصيرية يتقرر خارجها بمعرفة قوى دولية، وتعبيراً عن مصالح تلك القوى .
بخبرات التاريخ وسوابقه، فإن المؤتمرات المقبلة في باريس وجنيف،هى في الغالب ساحات اقتسام غنائم أكثر من كونها ساحات تسوية صراعات، حدث ذلك في بوتسدام بأوروبا قرب نهاية الحروب النابوليونية، وحدث في فرساي بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وحدث في يالطا قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، وكلها مؤتمرات أعقبت حروباً، وجرى فيها تمزيق الخرائط القديمة وإعادة رسم حدود دول وأدوار قوى دولية منتصرة.
للمشاركة في مثل تلك المؤتمرات شروطها ومتطلباتها، أولها ألا تذهب إليها مهزوماً، حيث لا يجلس المهزومون على مقاعد التفاوض وانما تسجى أجسادهم فوق طاولات التشريح والتمزيق، وثانيها أن تكون قد تمكنت بالحرب أو بالسياسة من استحداث واقع جديد يضع أوراقاً جديدة تحت يدك قبل التفاوض، أما الأهم من كل هذا فهو أن يكون هدفك محدداً بما لا يدع أي مجال للشك او للالتباس، وأن تكون أدواتك في التأثير والتغيير على الأرض،حاضرة وماضية.
في هذا السياق أتفهم تماماً قرار المشاركين في مؤتمر الحوار اليمني بالرياض، بعدم الذهاب الى مؤتمر دولي في جنيف ، قبل أن ينسحب الحوثيون من كافة المدن التي احتلوها ويقوموا بتسليم أسلحتهم الثقيلة للدولة اليمنية ممثلة في رئيسها الشرعي المنتخب عبد ربه منصور هادي.
وفي هذا السياق أيضاً، أتفهم إصرار السعودية على عدم دعوة إيران للمشاركة في مؤتمر جنيف بشأن اليمن، فمشاركة طهران سوف تعني إقراراً دولياً بدورها، واعترافاً بأن لها ثمة مصالح باليمن الذي لا تربطه بها حدود مشتركة. حقائق القوة على الأرض، هى التي تصوغ الاتفاقات الدولية، وهى التي ترسم بأسنة الحراب، حدوداً للدبلوماسية، لكن حقائق القوة لا تقاس فحسب بعدد القوات ولا بعديد الأسلحة ، لكنها تقاس أيضاً بقدرة كل طرف على خوض صراع طويل دون نكوص، وتلك الأخيرة تظل رهناً بالقدرات البشرية، والمعرفية، لدى كل طرف،على الاستمرار في الصراع .
التماسك الداخلي، والتفاف الشعب حول قيادته،أحد أهم مفاتيح القوة ، لكن تحقيق هذا التماسك ، يقتضي وعياً لدى الرأي العام، بقيم المواطنة دون تمييز بين مواطن وآخر .
ما حدث ويحدث في العراق، ما كان ممكناً لولا غياب المواطنة الحقة في عهد صدام حسين، وما بعده، وما حدث ويحدث في سوريا، ما كان ممكناً لولا هيمنة طائفية من أقلية استقوت على أغلبية السوريين ، وما حدث ويحدث باليمن، ما كان ممكناً لولا غلبة القبيلة على الوطن والطائفة على الدين، والدين على السياسة. الدول التي تسجى فوق طاولات المؤتمرات الدولية ليتقرر مصيرها بمعرفة آخرين، قادها غياب المواطنة وانحسار العدل، الى موائد التمزيق..
حصنوا أوطانكم بالعدل والمساواة وتكافؤ الفرص.. اهزموا أعداءكم بوحدتكم الداخلية.. لا تدعوا في بنيانكم ثغرة يتسلل منها أصحاب المخططات الخارجية.. تلك هى منظومة القوة الحقيقية .
مكان في جنيف.. على المقعد أم فوق الطاولة؟!
تاريخ النشر: 22 مايو 2015 01:10 KSA
قبل ساعات استكملت داعش السيطرة على نصف سوريا بعدما تمكنت من احتلال تدمر بالكامل، وقبلها بأيام كانت داعش قد اجتاحت الرمادي عاصمة محافظة الأنبار أكبر محافظات العراق، وسيطرت عليها بالكامل أيضاً.
A A


