Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

رأس بلاتر الطائر

في السياسة الدولية، لا أحد يحارب معركة أحد، فكل يغني على ليلاه، لكن المصالح تتصالح في كل الأحوال، بعد أن يزنها كل طرف بميزان الذهب، المبتدئون فقط هم من يخوضون بحار السياسة الدولية، بالنوايا الحسنة ، و

A A
في السياسة الدولية، لا أحد يحارب معركة أحد، فكل يغني على ليلاه، لكن المصالح تتصالح في كل الأحوال، بعد أن يزنها كل طرف بميزان الذهب، المبتدئون فقط هم من يخوضون بحار السياسة الدولية، بالنوايا الحسنة ، وبالرهان على كرم وعطف الكبار.
مشهد الصراع في الاتحاد الدولي لكرة القدم، والذي انتهى بإجبار العجوز سيب بلاتر رئيس الاتحاد الفائز للتو بفترة رئاسية خامسة، على الاستقالة، قد يعكس بوضوح معاني كل ما تقدم، فالمشهد «محمل بالدلالات والشواهد»، وهو يقطع بأن ما نراه في بعض المؤسسات والهيئات الدولية ،كمتابعين طيبين، يحسنون الظن بما هو ظاهر، ليس سوى وسيلة من وسائل التمويه على أكثر أدوات السيطرة تعقيداً.
السويسري سيب بلاتر، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، بقي في موقعه لاربع فترات رئاسية متتالية، ثم فاز بالخامسة، أتقن الرجل لعبة الانتخابات، وهيمن بأدواته على اتحادات قارية ووطنية في معظم دول «العالم الثالث»، واستطاع أن يتحدى خصومه في أوروبا، رغم شبهات فساد لاحقته ولاحقت رجاله، لولا أن أخرج الحاوي الأمريكي، أرنب الأدلة والقرائن، من كم سترة المكائد والمصالح.
لا تحاولوا أيها الودعاء الطيبون إقناعي بأن تزامن اعلان نتائج تحقيقات أمريكية في شبهات فساد بالاتحاد الدولي تورط فيها مواطن أمريكي، مع انتخابات الفيفا، كان محض مصادفة، ولا تحاولوا اقناعي بأن استقالة بلاتر من رئاسة الاتحاد بعد أربعة ايام فقط من فوزه بها للمرة الخامسة، هى عمل طوعي واختياري قام به بلاتر ، فالرجل الذي أخفقت اوروبا مجتمعة في كسره وتحديه، استطاعت واشنطن، أن تطرحه أرضاً بالضربة القاضية .
أدلة واشنطن على فساد بلاتر وكبار مساعديه، ربما كانت تحت يدها قبل سنوات، لكن توقيت اخراج الأدلة لإحراج الرجل، يستحق أن نرفع للأمريكيين القبعة، كانوا يعلمون أن جنوب أفريقيا دفعت لأحد رجال الفيفا عشرة ملايين دولار ليساعدها على الفوز بتنظيم مونديال 2010، وكانوا يعلمون أيضا بأن روسيا ربما دفعت أيضا للفوز بتنظيم مونديال 2018، لكنهم كلاعب البوكر الماهر، وضعوا أوراقهم قرب صدورهم، وراحوا يختارون توقيتات الكشف عنها وفق حسابات مصالحهم هم.. اليوم وفي سياق حرب باردة جديدة، تريد واشنطن حرمان موسكو من استضافة مونديال 2018، متكئة على فساد الفيفا..
المشهد الراهن في «لعبة الفيفا» يقطع بأن واشنطن ما زالت هى قوة التغيير والتأثير الأكبر ، تماماً كما يقطع بأن المصالح الذاتية للدول هى «وحدها تقريباً» التي تصوغ سياساتها وتحدد وجهتها.
قد يرى البعض أنني أحمل المشهد الكروي بأكثر مما يحتمل، وأزج به في أتون السياسة، لكن الحقيقة أن الودعاء الطيبين هم فقط من لا يرون تلك الرابطة بين السياسة، وبين كل أدوات تحقيق غاياتها، بما فيها الاتحاد الدولي لكرة القدم.
قبل أسابيع، أعلنت الادارة الامريكية عن خطط لتوجيه ضربات جوية في سوريا، ضد داعش وجماعات أصولية متطرفة، وهللت شعوب الاقليم، لكنهم استيقظوا على غارة أمريكية يتيمة استهدفت جماعة سمع معظمهم بها لأول مرة هي» جماعة خراسان» . أي ان الاعلان الامريكي لم يكن لضرب داعش، وإنما لضرب جماعة تهدد أمريكا مباشرة وتنافس داعش في تطرفها.. فهل تخوض امريكا اليوم بحق حرباً ضد داعش؟!.. سجل الضربات الجوية، المتزامن مع تمدد داعش على الأرض في تدمر بسوريا وفي الرمادي بالعراق، يقطع بأن أمريكا تحارب لهدف مغاير في سوريا والعراق وربما في الإقليم كله.
وقبل يومين، تكشفت قصة مفاوضات أمريكية تجري مع الحوثيين، في العاصمة العمانية مسقط، حول اطلاق سراح أربعة رهائن أمريكيين لدى الحوثيين، وليس حول إقناع الحوثيين بتنفيذ قرار الامم المتحدة 2216 بشأن اليمن.
قلت أن لا أحد في السياسة الدولية يحارب معارك أحد، وأن على من يريد الانتصار أن يحققه بسيفه، فأمريكا تخوض حربها هى من أجل مصالحها هى، وتحقق بسيف المعلومات، مالا يحققه الآخرون بسيوف الحرب، واسألوا رأس بلاتر الطائر.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store