Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

ما بعد الحضيض

كانت حياة الكاتب الإنجليزي الكبير «جورج أورويل» قصيرة وحزينة، فقد كان عاطلاً مريضاً يقطن في فندق بائس في باريس مع المشردين والمرتزقة فاستل قلمه وكتب ذات يوم: «أدركت ذلك الصباح أنني قد هبطت إلى الحضيض،

A A
كانت حياة الكاتب الإنجليزي الكبير «جورج أورويل» قصيرة وحزينة، فقد كان عاطلاً مريضاً يقطن في فندق بائس في باريس مع المشردين والمرتزقة فاستل قلمه وكتب ذات يوم: «أدركت ذلك الصباح أنني قد هبطت إلى الحضيض، أصابتني تعاسة بالغة لكنني بعد قليل أحسست بنوع من الراحة، فالتدهور الكامل لا يخلو من فوائد، أولها: أنك تتخلص من القلق لأن ما كنت تخشى وقوعه وقع وانتهى الأمر! ثانيا: لأن الكوارث تزيل عن ذهنك الأوهام فترى الحقائق بوضوح.. كما أنه لا يكون لديك ما تفقده، وبالتالي فلو أنك تمالكت نفسك قليلا فإن خطوتك القادمة ستكون حتما إلى الأمام».
أما وقد وصل العرب إلى ما وصلوا إليه اليوم، فإنه يجدر بهم تغيير ذهنيّتهم، ومراجعة أنفسهم إذا ما أرادوا اللحاق بمن سبقهم من الشعوب.
الشعوب المتقدمة تقرأ كتيّب الإرشادات قبل استخدام الشيء المراد، ومعشر العرب يقرأونه بعد عطب جراء سوء استخدامه.
هم يفتخرون بابنة البقال التي أصبحت رئيسة وزراء، والعرب يعيّرون من كان أبوه كذا وكذا.
لديهم برنامج لحماية الشهود الشرفاء على جرائم المافيا والفساد، ولدى العرب برنامج لحماية المتنفّذين والفاسدين.
يعمل المرء منهم بما يحلم به ولا يفكر بالمال فتجد منهم علماءً يتخصصون في حياة الحيتان والطبيعة، بينما يُوجِّه معشر العرب لما يدر المال بسرعة.
بعد بضع عقود ينزعون صفة السرية عن وثائق الحروب ليتعلموا منها ويتجنبوا هفواتهم، ومازال العرب يُدَرِّسون تاريخاً زائفاً لكل جيل.
غابت الروح النقدية للمخلصين العرب فحل محلهم المرتزقة والمتسلقون ووصلت أغلب الدول العربية إلى هذا البؤس وتلك القلاقل.
يروى أن نيكيتا خورتشوف السكرتير العام للحزب الشيوعي السوڤيتي قال في اجتماع مع إدارته: إن مشاريع السوڤييت كانت على الورق وأن ستالين أخطأ في كذا وكذا، فجاءته ورقة كتب عليها: «وأين كنت أنت أيها الرفيق نيكيتا»؟!
وعندما سأل عمّن كتب هذه الرسالة، ساد صمت مطبق في الحجرة، فقال نيكيتا:
«كنت مثلك، خائف».
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store