Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

في السياسة أيضاً.. سفر التكوين يسبق سفر الخروج

الكبار لا يحتكرون فحسب أسلحة الدمار الشامل، ولا يحتكرون فقط سلطة تجريد الآخرين منها، لكنهم يحتكرون أيضاً إمكانية امتلاك رؤية إستراتيجية، وإمكانية حرمان الآخرين من امتلاك رؤية مماثلة، بل وفي معظم الأحي

A A
الكبار لا يحتكرون فحسب أسلحة الدمار الشامل، ولا يحتكرون فقط سلطة تجريد الآخرين منها، لكنهم يحتكرون أيضاً إمكانية امتلاك رؤية إستراتيجية، وإمكانية حرمان الآخرين من امتلاك رؤية مماثلة، بل وفي معظم الأحيان -كما تبرهن صفحات التاريخ البعيد والقريب- فإن إستراتيجيات الصغار، يرسمونها بمعطيات زودهم بها الكبار، أو بالأحرى استدرجوهم إليها.
ولهذا لا يكفي في الصراعات الإقليمية، أن تمتلك أطرافها المباشرة أهدافا بعينها تتوخاها من تلك الصراعات، وأدوات تظن أنها قادرة باستخدامها على تحقيق تلك الأهداف، وإنما يتعين على من يرغب في تحقيق الحد الممكن من أهدافه، أن يستوعب موقع تلك الأهداف على خرائط اهتمامات ومصالح الكبار، وأن يسعى إلى الإمساك بأوراق للتأثير على مصالح الكبار، نفعاً، أو ضرًّا، فالأمم التي لا تعرف كيف تنفع ولا كيف تضر، هى أمم منزوعة السلاح، عارية من أسباب تحقيق الأمان.
السبب الرئيسي وراء ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من صراعات توشك في الوقت الراهن أن تمزقها، هو -في ظني- قصور في الرؤية لدى أغلب دول الإقليم، هذا القصور في الرؤية ناجم عن قصور في الأدوات التي توفر الرؤية، أما السبب في قصور الأدوات فهو بدوره ناجم عن التخلف العلمي والصناعي لدى أغلب دول الإقليم، بينما يقف خلف التخلف العلمي والصناعي، تخلف سياسي قاد أغلب دول المنطقة، إلى حالة حرمان مزمن من الكفاءات ومن قوى الاستنارة، تلك الحالة هي التي زجت بالمنطقة في أتون الاضطرابات الراهنة، وجعلتها نهبا لصراعات يستدعي بعضها الدين، ويمتطي بعضها الطائفة أو المذهب.
المواجهة الحقيقية مع ما تتعرض له المنطقة من أخطار، تبدأ وتنتهي -في اعتقادي- في المختبرات ومعاهد العلوم الحديثة، فهى وحدها التي تكفل لدول المنطقة استقلالا حقيقيا، وهى وحدها التي تتيح لتلك الدول إمكانية امتلاك رؤية إستراتيجية حقيقية، لا تملكها سوى دول تمترست بالعلم وحده في الفضاء الخارجي خلف أقمارها الاصطناعية.
قد يرى البعض فيما أقوله الآن ترفاً، لا تسمح التحديات المفروضة على المنطقة، بالمواجهة الجذرية مع أسبابه، وقد يكون في وجهة نظر هذا البعض، بعض الوجاهة، لكن الأمانة تقتضي منا مواجهة صادقة مع الذات، تكشف أوجه القصور عندها، ولا تخجل من الاعتراف بوجودها، ولا تخشى أخذ الدواء مهما كان مُرًّا.
في التوراة يسبق «سفر التكوين»؛ «سفر الخروج»، وفي السياسة كذلك، فلا خروج إلى عالم الكبار، قبل تكوين أو بناء القدرات الذاتية، التي تسمح بالاستطلاع لاستشراف الرؤية، ثم تحديد الهدف، ثم استهدافه، ثم إصابته.
دعونا نولج في سفر التكوين السياسي/ الاقتصادي/ العلمي، فبدون هذا الولوج، لا يمكننا الخوض في سفر الخروج من المأزق الإقليمي الراهن، فلو كان العراق قد اجتاز سفر التكوين، لما استطاعت جيوش الدنيا واستخباراتها، طرد بغداد من جنة التاريخ، والإلقاء بها على قارعة طريق يسيطر عليه عصابات الدواعش، ولو كان اليمن قد اجتاز سفر التكوين لما استطاعت جماعة تابعة من شذاذ الآفاق أن تلقي بشعبه في غياهب جب نسأل الله ألا يكون عميقا، ولو كانت سوريا وليبيا قد عرفتا طريقهما إلى بناء دولة تتجسد فيها الشراكة الحقيقية بين مختلف فئاتها، حكّاما ومحكومين، لما شهدتا ما تشهدانه من تمزُّق وحروب أهلية لا يعلم مداها إلا الله.
لا خروج من المأزق الراهن، قبل أن تترسخ قناعة ثابتة لدى النخبة والعوام على السواء، بأن مأزقنا في العالم العربي، ثقافي بالأساس، وأن الخروج منه يتحقق باستدعاء عوامل القوة عبر تكريس قيم المواطنة، والمساواة التامة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.
ما أقوله ليس ترف مثقفين، وإنما هو استذكار لحكمة خالدة وضعت سفر التكوين سابقا على سفر الخروج، وهو ما يصح في السياسة، كما يصح في غيرها.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store