Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

سيلفي بلا رتوش

صحيح أن مفردة (سيلفي selfie) شائعة بلفظها الإنجليزي؛ لارتباطها بنشاط حديث جدًّا لم يعطها فرصة الترجمة إلى العربية، ولكن لفظها هذا مقارب للعربية، فكأننا نقول: «نفسي» بإضافة ياء المتكلم لكلمة self، لاشت

A A
صحيح أن مفردة (سيلفي selfie) شائعة بلفظها الإنجليزي؛ لارتباطها بنشاط حديث جدًّا لم يعطها فرصة الترجمة إلى العربية، ولكن لفظها هذا مقارب للعربية، فكأننا نقول: «نفسي» بإضافة ياء المتكلم لكلمة self، لاشتراك الكلمتين بصوت (إي/ ē) في نهايتهما، ذلك أن المعنى لا يخرج عن قيام الفرد بالتقاط صورة لنفسه، فالذات منخرطة في الفعل العائد عليها.
جاءت مفردة سيلفي كاختيار موفق لمسلسل كوميدي، يهدف إلى النقد الاجتماعي، فكأنما هو مجتمع يصوّر ذاته دراميًّا، ثم يقول ها نحن وهكذا هو حالنا. هذه الصورة السيلفية لا تقبل التكذيب ولا التشكيك، فهي نتاج ذات تصوّر ذاتها دون تدخل أو تدليس، ذات تصارح ذاتها دون وسيط خارجي. هذا نقد نابع من الداخل، لذلك يأتي واقعيًّا وصادقًا، ولكن الأهم أنه أيضًا مليء بالشجن والحزن. تنشأ معادلة التناقض من المعالجة الكوميدية المضحكة لقضايا جادّة مؤلمة، وهذه هي طبيعة الكوميديا الأصيلة التي لا تهدف إلى الإضحاك السخيف، والاعتماد على النكت السمجة، والطرح السطحي، لكنها تلك القدرة على رسم ابتسامة على الشفاه، وهي تعصر القلب، وتحرك العقل في آن واحد.
لا شك أن المصارحة بحقيقة الذات منفـّرة، وكثير منا يهرب من حقيقته ليتوارى خلف أستار مريحة، تساعده على المكابرة، ورفض الاعتراف بالقبح. والمصارحة بحقيقة الذات توعية لأنها عملية إيقاظ للضمير النائم والمستمرئ لغفوته وأحلامه، وأقوى أداة للإيقاظ هي القهقهة الصارخة الهازئة من انتهازية تلك الأحلام وتجاوزاتها، هي التنبيه القاسي بأن الحالم تحت النظر، ولا يمكن له أن يختبئ في زوايا صورة سيلفية يشترك فيها معه مجتمع بأكمله. حينما يصوّر المجتمع ذاته سيظهر في الصورة كل الفئات، وتنفضح كل العورات، الكل سيرى ممارسات البعض المجحفة، وسيعلم ذلك البعض أن الكل يرى ويفهم ويعترض بشدة. لذلك ليس بمستغرب أن تكون ردة الفعل غاضبة وساخطة، فالانزعاج من المصارحة أمر طبيعي ومتوقع، وسيلفي لا يحيد خطًّا واحدًا عن الواقع المعاش، بل يقدم انعكاسًا ملتصقًا به، ومنسوخًا عنه.
ولأن الصمت يخلق التابوهات، ويرفع من حولها جدرانًا صلبة لا يمكن اختراقها، فإن النقد الكوميدي الأصيل يجرؤ على رفع صوته ساخرًا وضاحكًا، ومستخفًّا بثقل التحذير والتهديد، والخطر من الاقتراب من تلك الجدران. المصارحة بحقيقة الذات منفـّرة، لكن الكوميديا محببة وجاذبة وقادرة بطبيعتها على حفر الجدران الصلبة تدريجيًّا حتى تتهاوى. ما تفعله الكوميديا الأصيلة هو أنها تستغل الضحكات لتمرير بيانات الأخطاء التي نرتكبها ونسيء بها إلى أنفسنا، وإلى بلادنا.
أن نصوّر أنفسنا بأيدينا ونضحك على أخطائنا، ثم نتناسى ونستمر في تدمير حياتنا، وكأننا لم نر أنفسنا في الصورة، وكأننا لم نضحك، فذلك هو التبلد والتكلس والركود. سيلفي مشروع وطني ناجح يستكمل ما بدأه طاش ما طاش بكامل جرأته وتعامله المختلف مع قضايا مجتمعه، وجهده في رفع عدسة الكاميرا أمام أفراده جميعًا ليروا أنفسهم في صورة سيلفية تصارحهم بحب، وتدفع بهم للاعتراف والتغيير.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store