تخرج منْ بيتك لأداء فرضية الله عليك، وتتَّجه بكامل حواسك ومشاعرك لله الواحد القهّار، فيغمرك لطف الله، وتسعى لغفرانه، وطلب مثوبته، فيأتي من يسرق عليك هذه المشاعر الآصرة بالله جلّ في علاه.
إنّ الصّلاة عبادة واجبة، يسعى إليها المؤمنون تقرّبًا إلى ربّهم، وطلبًا لمغفرته؛ لها أوقات معلومة، إلاّ أنّ بعض الدّعاة والمحتسبين يحوّلونها إلى ساعة خاصّة بهم، مسقطين من حسابهم بطريقة أو بأخرى كلّ ذلك، تحت ذريعة الاحتساب وتقديم النّصح، ونسوا أنّ وقت الفرائض على وجه الخصوص ملكًا خاصًّا، وخاصًّا جدًّا ما بين العبد وربه.
بعد صلاة المغرب -غالبًا- ما أن ينتهي الإمام من تسليمتيْه حتّى يقفز أحد المحتسبين أو الوعّاظ ليصبّ على آذان المصلّين موعظته سارقًا منهم تسبيحاتهم، وتهليلاتهم، وتحميداتهم، وتكبيراتهم، وما يتبعها من نوافل ودعوات يرجون بها المغفرة.
ولعلّ السّؤال العريض الذي يطلّ برأسه ويحضر في هذا السّياق، وأعني به؛ من سمح لهذا المحتسب أن يسرق من عباد الله حصّتهم من التّقرب إلى الله، والسّعي نحو الإقدام على هذا السُّلوك بذرائع قد تصحّ حينًا وقد لا تصح في أحايين كثيرة؛ فأيّهما أولى عقب الفريضة الواجبة أهو التّسبيح، والتّحميد، والتّهليل، والتّكبير الذي حثّ عليه رسولنا الكريم عليه أفضل الصّلاة والسّلام بنصوص صريحة لا لبس فيها، أم سعي ذلك الواعظ الذي اقتحم خلوة المسلم التي هي حقّ للعبد لا يشاركه فيها أحد.
هذا ما يحدث كثيرًا في أغلب مساجدنا؛ فبين الفترة والأخرى يطلّ علينا أحدهم نافخًا أوداجه بالوعظ والإرشاد، والوعد والوعيد، مسقطا على المصلين سطوته من خلال مكبّرات الصّوت التي باتت في كثير من الأحايين مزعجة حتى لمن هو في خارج المساجد.
صحيحٌ أنّ وعظ وإرشاد عباد الله من المسلّمات التي حثّ عليه الإسلام، وعضّدها نبينا الكريم عليه أفضل الصّلاة وأتمّ التسلم بالفعل، فقد كان عليه الصّلاة والسّلام يتعهّد أصحابه بين الفينة والأخرى بموعظة تقف أمامها الرّقاب صامتة، والأعين دامعة؛ ولكن متى كان يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم؟!
إنّ الرّسالة التي أوجّهها للشؤون الإسلاميّة، تتمثّل في منع كلّ من يسعى لإقحام نفسه بسرقة ساعة العبد مع ربّه تحت ذرائع الاحتساب، وإن بدا سلوكه في الظّاهر خيرًا، إلاّ أنّ بعض الخير في هذا السّياق قد يكون مجلبة لاستكراه النّاس وانصرافهم خاصّة إذا لم يكن في وقته وأوانه فلكلّ مقام مقال .. فلماذا لا يكون هناك جدول مقنّن يُعمل به يتّخذ سبيلًا لتنظيم هذا المسلك بطريقة ناجعة، بحيث يوضع ذلك الجدول في مكانٍ مخصصّ يعرفه جميع المصلّين، يتمّ فيه تحديد موعد هذا الواعظ أو ذاك، على أن يتمّ بعد صلاة الفريضة بعشر دقائق -مثلًا- ريثما ينتهي المصلون من أداء سننهم، بدلًا من سرقة ساعتهم الخاصّة مع الله، وفي حضرة ربّ غفور.
فريضة الله الواجبة.. والاحتساب
تاريخ النشر: 26 يونيو 2015 02:01 KSA

تخرج منْ بيتك لأداء فرضية الله عليك، وتتَّجه بكامل حواسك ومشاعرك لله الواحد القهّار، فيغمرك لطف الله، وتسعى لغفرانه، وطلب مثوبته، فيأتي من يسرق عليك هذه المشاعر الآصرة بالله جلّ في علاه.
A A


