Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

عندما تمتزج الكيمياء بالأدب الساخر.. إبراهيم الصويغ

* كنتَ إذا سرتَ في شارع العينية بمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم تأخذك مشاهد الحوانيت القائمة على جانبيه، ومن تلك المشاهد مقر صحيفة المدينة المنورة عند تأسيسها بمبادرة من السيدين علي وعثمان حافظ سنة

A A
* كنتَ إذا سرتَ في شارع العينية بمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم تأخذك مشاهد الحوانيت القائمة على جانبيه، ومن تلك المشاهد مقر صحيفة المدينة المنورة عند تأسيسها بمبادرة من السيدين علي وعثمان حافظ سنة 1356هـ، وقد حلَّ في ذلك الموقع في مرحلة لاحقة معرض للمرحوم ناصر العامر الرميح، وفي منتصفه تقع مكتبة «ضياء» وكانت المكتبة الوحيدة التي تبيع الصحف والمجلات المحلية والعربية، إضافة إلى بعض الكتب الأدبية المنتقاة.
كما يتذكَّر جيلنا ومَن سبقه موقع صيدلية الصويغ في الشارع نفسه، وربما كانت الصيدلية الأولى في المدينة والتي أسسها المرحوم عبدالكريم الصويغ والد الراحل الدكتور إبراهيم الصويغ، الذي عرفت أخاه غازي لسكناهم بالقرب من دارنا في حي السيح المطل على سيل ابي جيدة، وكانت دارهم تجاور دار آل الدَّرندري، ودورًا أخرى، وعندما قابلت المرحوم إبراهيم قبل حوالى عقد من الزمن في دار الصديق المرحوم الأستاذ محمد صادق دياب.. ذكرت له تلك الجيرة الطيبة في طيبة الطيبة، فابتسم وقال: كنت -عندئذٍ- أدرس في جامعة الملك سعود في الرياض، ويبدو أن انخراط إبراهيم مع والده في إنشاء ما يمكن أن يعتبر أول صيدلية تجارية في المدينة المنورة حمله على التخصص أثناء دراسته في جامعة برمنغهام البريطانية في حقل الصيدلة ليمارسه علمًا تجريبيًّا، ويُضْحي بعد ذلك عميدًا لكلية الصيدلة في جامعة الرياض، ثم انتقل إلى وزارة الصحة، وساهم في العمل الإداري فيها حتى أصبح وكيلاً للوزارة.
* ولعله ممّا لفت نظري في اللقاءات التي كانت تجمعني به هو إلمامه بالشأن الثقافي والأدبي، إضافة إلى تمكّنه من الأسلوب الأدبي الساخر الذي كان يضفي على المجلس متعة وأُنسًا؛ ممّا ذكّرني ببعض الأدباء الظرفاء، وكان من آخرهم الشخصية المكيّة المعروفة عبدالقادر الصقعة، والكاتب لقمان يونس الذي رحل مبكرًا عن دنيانا، وكذلك الأديب القاص محمد عالم أفغاني الذي كان يرسم صورًا بديعة من الحياة وتناقضاتها، وذلك فيما كتبه من فن قصصي متناثر، جمع بعضه أستاذنا المرحوم الدكتور محمد العيد الخطراوي.
* كانت دار المرحوم الصويغ في كل يوم أحد تمتلئ بالزائرين، الذين تعوَّدوا أن يجدوا من صاحبها وجهًا بشوشًا، ونفسًا كريمةً تجود بما نُشِّئت عليه من إكرام للضيف، واحتفاء بالزائر، وكان هذا سلوكه حتّى في بلاد الغربة، فلقد أخبرني بعض زملائه -وفي مقدمتهم معالي الصديق الدكتور عبدالعزيز خوجة- عن احتفائه بالطلاب السعوديين القادمين للدراسة -آنذاك- في المملكة المتحدة البريطانية، وسعيه لقضاء حوائجهم.
ولعل رحيل إبراهيم، وسيرته ذكّرتني بالإنسان الشهم الدكتور عبدالرحمن المعصومي، الذي كان يقضي جل وقته في بلاد الغربة لتقديم كل ما يمكن أن يسهل الصعاب والعقبات، وكان ذلك يأتي على حساب دراسته، مع أنه كان يتمتع بذكاء خارق، وثقافة علمية واسعة، وكان مجيدًا للإنجليزية حتى لتحسبه أنه نشأ في بلاد شكسبير وديكنز، وت.س إليوت.
* ترى يا صديقي مَن سوف يشعل قنديل المحبة في المجلس؟ ومَن سوف يقف مرحبًا بوجوه القوم، ومراعيًا أحوالهم ونزعاتهم؟ فلقد كانوا مزيجًا من مشارب مختلفة، ولكن مجلس «الصويغ» -كما علمت- كان قادرًا على دمجهم في بوتقة واحدة، قوامها الحب والوداد.
* لقد كان إبراهيم -ولم أكن واحدًا من روّاد مجلسه- ولكن تواتر الرواية وصادق الشهادة ممّن أعرف -وفي مقدمتهم الأخ الأكرم والإعلامي المعروف الأستاذ عبدالله رواس- تدفعني للقول بأن الراحل كان ممّن يصنعون الحب، واستطاع أن يمزجه بنكاته وقفشاته التي كانت تجسد شيئًا من مرارة هذه الحياة.
ترى أين توجد كأس تمتلئ جوانبها، وتفيض أطرافها بماء لا تشوبه أكدار هذه الحياة الفانية؟
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store