Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الحرب بالإرهاب

إنها الحرب! لا شك أنها حرب تلك التي تدور رحاها على أراضينا العربية، تدمر مدننا، وتهدم بيوتنا، وتسيّل دماءنا، وتحصد أرواحنا، وتيتّم أطفالنا، وتشرّدنا جماعات وفرادى.

A A
إنها الحرب! لا شك أنها حرب تلك التي تدور رحاها على أراضينا العربية، تدمر مدننا، وتهدم بيوتنا، وتسيّل دماءنا، وتحصد أرواحنا، وتيتّم أطفالنا، وتشرّدنا جماعات وفرادى. ماذا يمكن أن نسمّي هذا الذي يجري من حولنا سوى «حرب»؟ لماذا إذًا لا يسود الهلع بيننا؟ لماذا لا نتعامل في شأننا اليومي مع الأحداث برعب وتوجس؟ لماذا تنتزعنا أخبار العنف والقتل من هدوء أيامنا فنغضب ونحزن، ثم نعاود روتين الحياة بنفس الرتابة؟
في أزمان سابقة كان إعلان الحرب حدثًا جللاً يلم بالأمة، كان الناس يحبسون أنفاسهم، ويلتصقون بالمذياع والتلفاز والصحف وهم يسألون الله اللطف فيما جرت به المقادير. كان مجرد إعلان الحرب يثير الفزع والقلق، ويقلب نمط الحياة عاليها سافلها؛ ليصبح حالة طوارئ مستمرة يحفّها الخطر، ويجمع قوات البلاد الحربية والشعبية على قلب واحد، وهدف واحد هو التضحية في سبيل الانتصار على العدو الغاشم.
ما الذي بلّد مشاعرنا وأوقعنا في فخ «العادي» و»الطبيعي»؟ هل لأننا ما عدنا نعرف عدونا الغاشم؟ كل ما نعرفه هو الجماعة تلو الجماعة التي تدّعي أنها تدين بديننا، وتتحدث لغتنا، وتحمل هويتنا، لكنها تظل جماعات غامضة بلا ملامح، تتلثم وتتشح بالسواد، وتتراسل معنا بفيديوهات مريبة عبر الفضائيات. حتمًا هذه ليست حربًا تقليدية ضد عدو تقليدي حتى تحرك مشاعرنا بشكل تقليدي، هي حرب توصف بالصراع منخفض التكثيف Low intensity conflict، أي أنه الموت البطيء بجرعات قليلة لا تثير قلقًا أو انفعالات معاكسة. هذا الصراع لا يخرج عن كونه أحداثًا متفرقة: انفجار هنا، وحريق هناك، انتحاري هنا، ورصاصة هناك، ثم تليها أيام صمت وسكينة، وبعدها انفجار يتبعه اختطاف، وتعذيب، ثم تعود الأمور إلى مسارها الطبيعي... وهكذا حتى نوقن أنه الإرهاب وليس حربًا.
عدوّنا «الإرهاب» ليس شخصًا، ولا شعبًا، ولا جيشًا، ولا حكومة: إنّه اسم مجرد لأداة حرب حديثة. بدلاً من أن تعلن علينا دولة ما الحرب وترسل جيوشها، وتتكلّف مبالغ طائلة، وخسائر في أرواح أبنائها واختلالاً في صورتها أمام العالم كدولة عدوانية واستعمارية، فإنها تشكل وتدعم جماعات تسميهم إرهابيين، ثم تسلّمهم خطة الطريق ومهام الإرهاب. إنها عبقرية الشر: لا تكلفة، ولا خسائر، ولا تشويه سمعة، ولا ظهور رسمي، فقط قليل من التدريب، وتسليح شحيح من المخزون القديم.
الحرب بالإرهاب فعل سابق للحرب على الإرهاب. الإرهاب مصطلح تم اختلاقه وصياغته وتوصيفه ليصبح قالبًا جاهزاً لاحتواء أي عداء إجرامي لا يستلزم مواجهة، ولا يستدعي ساحات قتال. الإرهاب هو طاقية الإخفاء ترتديها الدولة المعادية، وتضربنا بخسّةٍ ونذالةٍ دون أن تفصح عن هويتها، أو عن نواياها. هي قمة العبقرية الشريرة أن تضربنا بأيدينا، وتدفعنا لنخرج أنفسنا من ديارنا، وهي تسخر منا وتضحك من تحت الطاقية، ثم تزيحها وتوهمنا أنها تقف معنا بقوة ضد أبنائنا الأشرار.
الحرب بالإرهاب هو ما تعرّفه (نظرية الحرب الجديدة New War Theory) بالانحطاط الحضاري، فالمحاربون مرتزقة عابرون للقارات يتم تجنيدهم ليرتكبوا الجرائم بشكل وحشي خارج عن السيطرة، وبلا رادع أو مرجعية؛ لأنهم لا يمثلون حكومة ما بعينها. وطبيعي أن يقال لنا إن الحرب على الإرهاب حرب مستمرة ولا نهاية لها، ذلك أن الحرب بالإرهاب كرت رابح مطروح في السوق لأي لاعب مستعد لأن يدفع أكثر على مدى الأيام.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store