في حلقته العشرين، طرح مسلسل «سيلفي» ببراعة أزمة معارضة قانون التحرّش، والأثر السلبي الذي تتركه تلك المعارضة على الذين يتعرّضون للتحرّش من نساء (وأطفال). وأوضحت الحلقة بشكل لا يقبل الجدل أن حياة إنسانة قد تنقلب رأسًا على عقب؛ بسبب تصرف طائش مرذول من متحرّش منفلت لا يخشى عقوبة، ولا ملام في مجتمع يضع اللوم بأكمله على الضعيف المُنتَهك.
لنتأمّل مقولة (امسكوا عنزتكم ما يجيكم تيسنا) الشائعة، والتي تمثل خط الدفاع الأول عن تصرفات الرجل المتحرّش بالمرأة: هو قانون يفسر بمنطوقه سلوكيات حيوانية زريبية تدور بين عنزة وتيس، ومَن يرفعْ هذا القانون الغريزي إلى مصاف الحجج الآدمية يُهِن عقله الذي فضّله الله به على كثير من خلقه. تنزل هذه المقاربة بالإنسان إلى مستوى بهيمي متدنٍّ، وتعطي مبررات لا عقلانية، ولا إنسانية لتصرّف أهوج ومقزز.
اليوم لا تأمن المرأة على نفسها من المشي في الطريق العام بمفردها، والطريق العام حق عام، لكنه محفوف بالمخاطر للمرأة التي يتعرّض لها الرجال بالبحلقة، والتتبّع، والتلفّظ، وأحيانًا الملامسة، مهما كدست فوقها من طبقات الأغطية. في نهاية الأمر هي السبب في إرباك الطريق العام وإشغاله بمشيتها، وبحركتها، وبعباءتها، سوداء أو ملونة، فضفاضة أو محزّقة، سادة أو مطرزة، على رأسها أو على كتفيها. أمّا المتحرّش فمعذور أمام الفتنة التي تتحرّك أمامه، والتي كان من الأولى أن تـُمسك في بيتها، ولو كان المتحرّش في داخل البيت، وممّن تأمنه من أفراد عائلتها، فلتـُمسك المرأة/ العنزة في سرداب مظلم، أو في حرملك مغلق حماية للرجل المفتون.
هناك مَن يعتقد جازمًا أن الرجال كانوا سينعمون بالجنة من بداية الخليقة وللأبد لو لم يخلق الله المرأة، وفي اعتقادهم طبعًا أن المرأة لم تخلق إلاَّ لغوايتهم. هذه هي أفظع درجات التنصّل من المسؤولية الأخلاقية، وكأن الخطيئة الوحيدة التي سيحاسب الله عليها خلقه من الرجال هي افتتانهم بالمرأة. إلى من سيشير المنحرفون من الرجال كمسبب ومغوٍ لارتكاب القتل والسرقة والظلم والكذب وغيرها من السقطات الأخلاقية؟ إلى الشيطان؟
حتى الشيطان سينفي مسؤوليته عن إغواء البشر: «فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي». الشيطان ذاته الذي يحض على المعاصي بشكل مباشر، ويدفع للخطايا بنهج صريح ليس مسؤولاً عن مرتكبيها، ولا يحمل عنهم عبئها، فلماذا تـُحمّـل المرأة أخطاء التحرّش تحت كل الظروف؟
غياب قانون التحرّش هو إعلان عن التقاعس في التعامل مع التعدّي على حرية الآخرين من النساء والأطفال، وإيذائهم في أكثر المناطق خصوصية وحرمانية وهي أجسادهم، وما يترتب على ذلك التعدّي من تدمير حياتهم المستقبلية بكاملها؛ بسبب رغبة طائشة رعناء لشخص أمن العقوبة. ولا يعني غياب القانون أن الأمور متروكة على غاربها، بل هي تسير محكومة بعادات عبثية اسمها التشجيب: أي تعليق الأخطاء على المشجب، والتملّص من مغبة ارتكابها.
حلقة «فتاة البقالة» تقدم هذا الدرس المخيف الذي نمرره لأفراد المجتمع في ظل غياب قانون التحرّش، ألا وهو التنصّل من المسؤولية الفردية، وعدم تحمّل عواقب الاستهتار بالآخرين، وذلك بالتمسّك بمبررات تضع اللوم عليهم كمسببين ومحرّضين ودافعين. هذا التعاطف مع المتعدّي وإيجاد الأعذار له هو في حد ذاته أكبر دافع وتحريض لتماديه في سوء الأدب، واستمراره في انتهاك حريات الآخرين لمجرد أنهم مرّوا في مجال نظره.
حديث «بنت البقالة» وشجونه
تاريخ النشر: 09 يوليو 2015 01:23 KSA
في حلقته العشرين، طرح مسلسل «سيلفي» ببراعة أزمة معارضة قانون التحرّش، والأثر السلبي الذي تتركه تلك المعارضة على الذين يتعرّضون للتحرّش من نساء (وأطفال).
A A


