حين تعصف بك أعاصير الإساءة، وتقذفك في أتون الحيرة، وحين تحاول هزّات الآخرين أن تكسر كل ما بك لتُحَيَّد إنسانيتك، وتركنها في منعطف الشبهات، ثم بعد كل ذاك تلقى من أساء إليك بابتسامة عريضة، فهذا لا يعني تبلدًا في حسِّك، إنما صاحبك ذاك يجهل أن الابتسامة تلك ما هي إلا رسالة وسلوك من كان معه من الله ظهير، وأن أبعادها فاق كثيرًا من القول، وهو لم يُدرك بالكلية أنك تتعامل معه بقاعدة: «ادفع بالتي هي أحسن».
*****
من أخذه الصبر إلى أقصى مواقع التحمل، ومن اعتلى منابر الصمت توكلًا واحتسابًا، ومن اضمحل وطأ معاناته كلما تقدم به الصبر شوطًا، ومن استحالت روحه مستوطنة يقين مطلق، وأن القضاء والقدر خيره وشره من تقدير الله وتصريفه.. فهو يمتلك بين جوانحه جوامع الرضا الحق، والمعبر الوحيد لتوطين النفس على ممارسة حسن الظن بالله، ليصل إلى مواقع «وبشّر الصابرين».
*****
إن كنت تعيش في عالم يشغل التجاهل ثلاثة أرباعه، ليس من الضروري من أجل هذا وذاك أن تنخرط في الأعمال الشاقة المؤبدة، لتُثبت أنك كائن حي ينمو ويتكاثر! وسواء شئت أم أبيت فتلك العوالم لا حل لمذهبها ذاك، واعلم أن تلك العقبة إن تمكنت من عزيمتك فقد تصير إلى قاع فراغ مهمّش مع سبق الإصرار والترصد، انتفض واستجمع قواك لتجعل الأسد الرابض فيك يخترق خط التماس الواقع بينك وبين الربع المتبقي.
*****
لايزال في الذاكرة منكم من يستقر فيها، لايزال هناك أطياف تسكن تجاويفها المتناثرة، هناك.. حيث أسوار الماضي تبحر أخيلتكم لترسو فوق مرافئ يومي وغدي، لا يهمني إن كان ذاك وهمًا أو حقيقة، وليس في اعتباري إن كان ما أنا فيه هذيانًا أو جنونًا لا شفاء منه.. فعوالق الذكرى تلك هي التي تسكب في روحي نشوة التعايش، والإقبال على حاضري بكل جوارحي.. لأقنع نفسي ومن حولي أن أنا.. هي أنا، كما أنا.. لم أتغير.
*****
ذات زمان ومكان.. خرج المارد من كهفه، كان فقط رأسٌ فوق أقدام أربع لا تطأ في طريقها إلا دروب النار، لم تترك دربًا منها إلا وأطلق المارد عليه اسمًا، كثرت الأسماء، واستعر لهيب الأقدام فوق أرصفتها في دروب النار.. الأرصفة انصهرت وذابت، المدن خاوية على عروشها.. من بعيد صوت صفير يجلجل.. الصفير يقترب والجلجلة تهز الأرض هزًا.. والموت متصدرًا الموقف.. لا مفر.. وكيف المفر!!؟؟.
والرأس ذو الأقدام الأربع يقود المشهد ذات زمان ومكان آخر.
مرصد..
التسلل خارج أسوار الصمت واختلاس الهمس.. يومًا ما ستعبر بنا الحياة إلى عالم لا مكان فيه إلا للحقيقة والسلام.
تسلل الهمس خارج أسوار الصمت
تاريخ النشر: 10 يوليو 2015 02:00 KSA
حين تعصف بك أعاصير الإساءة، وتقذفك في أتون الحيرة، وحين تحاول هزّات الآخرين أن تكسر كل ما بك لتُحَيَّد إنسانيتك، وتركنها في منعطف الشبهات، ثم بعد كل ذاك تلقى من أساء إليك بابتسامة عريضة، فهذا لا يعني
A A


