Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

التأهيل الرمضاني وما بعد

يصل بنا رمضان إلى نهايته، ونحمد الله أن بلـّغنا صيامه وقيامه ونسأله تعالى أن يتقبل منا ما قمنا به من عبادات وطاعات.

A A
يصل بنا رمضان إلى نهايته، ونحمد الله أن بلـّغنا صيامه وقيامه ونسأله تعالى أن يتقبل منا ما قمنا به من عبادات وطاعات. نتأمل الشهر الكريم الذي مضى ونغبط أنفسنا أن وفقنا الله إلى كل ما فعلنا في رمضان، فهل نغبط أنفسنا أيضاً على ما فعله رمضان فينا؟ لمدة شهر كامل لم نمتنع فقط عن الأكل والشرب، ولكننا غيّرنا أسلوب حياتنا ونهينا الأنفس عن الهوى، لم نتوقف فقط عن الطعام في نهار الصوم وإنما كبحنا جماح كل تصرفاتنا وتمسكنا بـ «اللهم إني صائم» لكي نكون أهلاً لهذه العبادة التي يجزينا بها الله جل وعلا.
في رمضان نصوم وتكثر صلواتنا وتسابيحنا، لكننا أيضاً نكثر عطايانا وزكواتنا ويعلو إحساسنا بالفقراء والمحتاجين فنشعر بأخوّتنا واشتراكنا المبارك في هذا الدين العظيم. في رمضان نكفّ ألسنتنا عن الكذب والتعريض والقذف والسب والنميمة، ونتحاشى الغش والخداع والنفاق. كلنا نحرص على نقاء صومنا عسى أن يتقبله المولى منا فنتجنب المعاصي ما ظهر منها وما بطن، ونقلع عن اللهو وما حُبـّب إلينا من اللعب والتسلي ونحاول أن نستثمر جُـلّ أوقاتنا فيما يرضي الله، حتى أن البعض منا يودع أهله وأصدقاءه في جروبات التواصل الاجتماعي إعلاناً لانقطاعه في هذا الشهر عن الدنيا وضجيجها.
في رمضان تسمو النفوس وتطمئن القلوب، نصبح أكثر إنسانية وتسامحاً، نتوقف عن الأذيـّة ونترفع عن ردها إن وقعت علينا. يحولنا الشهر الكريم إلى أناس متحابين ومتقاربين، نتجمـّـع ونتزاور ونتراحم. من أين تأتينا هذه الطاقة الجبارة التي تنقلنا من القسوة إلى اللين، من الجفاء إلى الرقة، ومن التنافر إلى حسن التعامل؟ هكذا يضعنا رمضان في برنامج مكثـّف من التدريب على الغوص في أعماقنا بحثاً عن تلك الطاقة الإنسانية الكامنة التي تجعلنا مستحقين لإنسانيتنا، تلك الطاقة التي نتركها تفلت منا بتساهل وغفلة بعد أن جاهدنا شهراً كاملاً لنجدها ونفعـّـلها ونسعد بها.
في كل عام يذكرنا الله سبحانه وتعالي بقدراتنا على أن نكون على مراد الله منا، متحكمين في غرائزنا وقادرين على السيطرة عليها، متحابين في الله ومتمكنين من الإحسان في عباداتنا وتعاملاتنا. وفي كل عام نصل رمضان وقد أفلت الزمام من أيدينا، فيعالج النقص الذي اعترانا ويبين لنا مرة تلو المرة أننا قادرون. هذه النفس التي ستلومنا يوماً هي نفس لنا كامل القدرة على السيطرة عليها: كأس الماء البارد في ظهر رمضان الساخن لا تمتد إليها أيدينا رغم كل إغراءاتها لروي عطشنا، هذا الصمود الرهيب ينبع من إرادتنا نحن، ويشهد هذا الشهر علينا أننا نستطيع، وأن في وسعنا فعلاً التحكم برغباتنا، وفي حدود هذا الوسع يأتي تكليف الله لنا: «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها».
الآن ونحن نتخرّج فرحين من برنامج التأهيل الرمضاني، كم من الملكات سنستبقي؟ وكم من المؤهلات سنضيّـع؟ كل ما فعلناه في رمضان مطلوب منا في باقي أيام الله تعالى، وما تدربنا عليه مكثفاً يجب أن نتمثله مجزأً، فرمضان ليس مخزن ادخار، نكدس فيه الحسنات حتى نسحب منها ما يكفينا باقي الشهور، لنصل إلى رمضان مقبل وقد خوى الوفاض.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store