في قلب حركات التحرّش بالمرأة يقينٌ في عقل الرجل أن من حقّه انتهاك المساحة الصغيرة الخاصة بها؛ لمجرد أنها (هنا)، ماثلة أمامه في فضائه الخاص الرحب والآمن من مخاطر إغوائها، وإغرائها، وفتنتها. لا يتحمّل الرجل القوي/الضعيف أن تظهر امرأة في مجاله البصري دون أن تتهاوى مقاومته لجذبها، فيتحوّل في لحظة من إنسان عاقل إلى بهيم تحرّكه الشهوات. والغريب أن الرجل نفسه لا يتأذّى أبدًا وهو يردد مقولات تصفه بأنه «تيس مفتون بعنزة»، أو ذبابة تقع على «حلوى مكشوفة»، أو نملة تلعق العسل المسكوب.
لكن، هل صحيح أن الرجل لا يمكنه أن يتمالك حواسّه ليتعامل مع المرأة باحترام ولياقة عالية؟ كل ما حولنا من دلائل يؤكّد لنا أن هذه خرافة زُرعت في رؤوس الرجال عبر برمجة طويلة صوّرت المرأة على أنها «عورة» وفتنة. هذه البرمجة أرادت طرد المرأة من الفضاء العام، وتنفيرها من الانخراط فيه؛ لكي تبقى في بيتها، وتقر، وتستقر حتى تنتقل إلى دار القرار الأخير. التحرّش الذي نشهده هو إرهاب اجتماعي يحاصرها بالرعب من الطريق العام، وينزع الأمان من دربها، ويعيدها للبيت صاغرة.
ما نسمعه من فتنة النساء للرجال لمجرد حضورهن في فضاءاتهم يتفكك ويتلاشى بمجرد أن يخرج الرجال والنساء من البلد، وفي الخارج نراهم أشخاصًا آخرين، فالرجال محترمون ومتحضرون، يعاملون نساء العالمين أجمعين بالأدب والذوق، ولا يتعرّض أحد منهم لامرأة سواء كانت محتشمة أو متبرجة أو كاسية أو عارية. لا فتنة هناك ولا إغواء!! ماذا يحدث للرجال والشباب خارج حدود البلاد؟ وأين تسافر غرائزهم المعرضة للافتتان حين يسافروا؟ بل إن الرجال من أهل هذه البلد يلتقون في الخارج مع النساء من أهل هذه البلد في أماكن مختلفة دون أن يشعر أحد منهم بخطر الآخر على خلقه وتماسكه واتزانه.
لماذا هنا؟ سأقول، بل حتى هنا. ألا يلتقي الرجال والنساء في كل الأماكن العامة ويحفظ كل منهم حدوده واحترامه للآخر؟ نحن نتحرك سويًّا في الطائرات والمطارات والفنادق والأسواق والمطاعم والمستشفيات وفي بيوت الله وعلى رأسها الحرمين الشريفين، ورغم ذلك لا يتخطى أحد منا خطوط الأدب ولا يشعر أنه غير قادر على تمالك نفسه من الهجوم على الآخر. لماذا إذًا حين تمشي المرأة في الأماكن المخصصة للمشي أو على شاطئ البحر، أو في الطريق العام، أو في المتنزهات تصبح فاتنة وغاوية، وتجلب على نفسها الخدش والنهش والتحرّش؟
الدافع الأقوى للتعرض للنساء في أماكن معينة هو استهجان حضورها فيها، ومن ثم تنفيرها واستبعادها ونفيها. لذلك علينا أن نتوقف عن تبرير التحرّش بادّعاء باهت فحواه أن المرأة تـُعرّض نفسها له، بإغوائها الرجل المسكين. الرجال والشباب قادرون على كبح جماح غرائزهم، وعلى ترجيح عقولهم التي يفاخرون بها وعلى التزام حدود الأدب والخلق الرفيع في الأماكن التي يقررون أن يكونوا فيها على قدر عالٍ من المسؤولية.
المسألة قرار عاقل وليس انجذابة بهيمية لا حول للرجل فيها ولا قوة. يقول الله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) «آل عمران:14». الآية الكريمة تعدد الشهوات الكبرى عند الناس، ولم تقف عند زينة حب الرجل للمرأة، فإذا كنا سنبرر التحرّش بالافتتان بالنساء، فهل سنبرر أيضًا خطف الأبناء لمن حرم الخلفة، وسرقة الأموال للفقير، والتعدّي على ممتلكات الآخرين بحجة أنها استجابة لشهوات محببة زُيّـنت لنا؟
التحرّش وسلطة المكان
تاريخ النشر: 23 يوليو 2015 01:59 KSA
في قلب حركات التحرّش بالمرأة يقينٌ في عقل الرجل أن من حقّه انتهاك المساحة الصغيرة الخاصة بها؛ لمجرد أنها (هنا)، ماثلة أمامه في فضائه الخاص الرحب والآمن من مخاطر إغوائها، وإغرائها، وفتنتها.
A A


