أتأمل صورة لسيدة خليجية تخرج من متجر هارودز بلندن في السبعينيات من القرن الماضي وهي ترتدي عباءتها وتجمعها بيدها ليظهر من تحتها فستانها المشجر الطويل، فبدت أنيقة، وهي في كامل احتشامها، وقد أسدلت برقعها على وجهها فظهر قليل من ملامحها يكفي ليبين أنها في مقتبل العمر، وأنها واثقة من نفسها.
هذا المنظر كان قد أصبح عاديًا في السبعينيات في لندن بالتحديد، وفي مدن أوربية أخرى على نطاق أضيق، لذلك فإن المارة حول السيدة الخليجية في الصورة لا يستغربون مظهرها المختلف ولا يلتفتون إليها.
منظر معتاد ومقبول في حينه يعكس تقبل الآخر واحترام خصوصياته بشكل تبادلي وحضاري.. لم تلق العباءة أو البرقع استهجانًا ولا اعتراضًا، كما لم يـُحمـّـل أي منهما بدلالات ممارسة الضغوط على المرأة الخليجية ولا فقدانها الحرية ولا الانتقاص من حقوقها الإنسانية.. والواضح أن الغرب قد تعامل مع غطاء المرأة الخليجية، التي كانت تتجول به في أوربا بشكل طبيعي، شأنه شأن أي زي أجنبي كالساري الهندي والثوب السوداني.. والحقيقة أن هذا الملمح الحضاري يعتبر من السمات المتأصلة في الغربيين والأمريكان أيضًا، أن يلبس الزائر ملابسه الوطنية على أراضيهم هو أمر مرحب به تمامًا ولا يلقى إلا التقدير.
وتدفق السواح العرب، وبالذات الخليجيين، بعد تلك السنوات إلى مدن أوربا وتزايدت أعدادهم عامًا بعد عام، وبدأت رحلاتهم تخرج عن دوائر الاستفادة من السفر بالتعلم أو الاكتشاف أو التعرف على الثقافات أو حتى الترفيه بارتياد السينمات والمسارح والملاهي، ودخلت في دائرة ضيقة، هي العادة السنوية، ثم أصبحت ضرورة والتزام لا يكاد يتخلف عنها فرد ولا عائلة، ثم صار السفر فعلا ملازمًا للإجازات الطويلة منها والقصيرة، في الصيف وفي الأعياد وفي نهاية الأسبوع، وكأن لهفة عارمة اعترت الناس للخروج إلى العالم، غربه وشرقه وشماله وجنوبه، وصارت السفرات ارتباطات غير معلنة بين مجموعات الخليجيين، يقبلون على دولة ما ثم يغيرون وجهتهم حسب اتجاه الجماعة وصرعات موضاتها، والكل يريد أن يرى وأن يـُرى في أكثر الأماكن رواجًا ووجودًا هذا العام أو ذاك.. يسافر الخليجيون فينطلقون في الحدائق والمقاهي والأسواق، يستعرضون أزياءهم وسياراتهم وموسيقاهم ورقصهم وطبخهم ومعسلهم، غير آبهين بشخصية الأماكن وتاريخها وثقافتها وحضارتها.
استمر هذا الحال طويلًا، ولم يخبت وهج الإقبال الخليجي على التجوال الدولي في أي فجوة إجازية، بل تفاقم وتعاظم، وكلما ازداد تعود السواح على الأماكن الراقية المنضبطة، كلما «كشفوا برقع الحياء» وجاسوا خلالها على طبيعتهم وباللامبالاة التي اعتادوها في بلدانهم، وتصرفوا بتبسط وجرأة وكأنهم أهل البيت – خصوصًا وقد تملكوا فيها بيوتًا- بدأت السلوكيات تكشف عن إهمال وتطاول واستهتار بالبلد الغريب واستهانة بصورة الخليجي العربي المسلم، كما بدأ صبر أهل البلد ينفد حتى ضاقوا بالغريب، الذي يأبى أن يكون أديبًا، فاحتشدوا واعترضوا وتظاهروا وطالبوا بتخفيض التأشيرات وبمراعاة قوانين البلد وبالنظافة والترتيب والذوق العام، وعبروا عن ضيقهم بعدم مراعاة المظهر اللائق، بما فيه سواد العباءات الحدادية واختفاء الملامح الإنسانية خلف البراقع.
في السبعينيات ظهرت المرأة الخليجية بلباسها المحتشم في بلد احترمت قوانينه وتمسكت هي وغيرها بآدابه وحافظت على ممتلكاته العامة وراعت حقوق أهله عليها، فلم يكن حضورها في شوارع لندن مصدر ضيق أو انزعاج.. وبدلا من أن يرتفع الوعي الحضاري بالاطلاع والاحتكاك على مدى السنين، فقد هبط السلوك العام إلى حد مخجل، حتى أن أموالنا لم تعد تشفع لنا ولا تزيل التلف الذي رحنا نخلفه أينما حللنا.. والآن صور الخليجيين في كل مكان في العالم تشهد بصحة الأقاويل وترسخ فكرة مشوهة عنهم.
نصف قرن من السياحة ولا تحضـّر!
تاريخ النشر: 13 أغسطس 2015 01:28 KSA
أتأمل صورة لسيدة خليجية تخرج من متجر هارودز بلندن في السبعينيات من القرن الماضي وهي ترتدي عباءتها وتجمعها بيدها ليظهر من تحتها فستانها المشجر الطويل، فبدت أنيقة، وهي في كامل احتشامها، وقد أسدلت برقعها
A A


