Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

سوق عكاظ وسؤال «كُنّا كدا»

في حفل استقبال سمو الأمير خالد الفيصل لضيوف سوق عكاظ الحالي، دارت الأسئلة بينه وبين الحضور، فجاءت مداخلة من كاتبة أكاديمية عبّرت فيها عن استيائها من ملامح التحديث في برامج وعروض ومعروضات السوق، ممّا ي

A A
في حفل استقبال سمو الأمير خالد الفيصل لضيوف سوق عكاظ الحالي، دارت الأسئلة بينه وبين الحضور، فجاءت مداخلة من كاتبة أكاديمية عبّرت فيها عن استيائها من ملامح التحديث في برامج وعروض ومعروضات السوق، ممّا يبعده عن صورته الأصلية التاريخية. وكان ردُّ الأمير منطقيًّا وبديهيًّا، فمشروع السوق في انبعاثه الجديد يهدف إلى المواءمة بين الأصالة والمعاصرة، دون تجميد الماضي ومتْحَفَتُه، بل باعتباره نقطة تطلّع إلى الأمام. لذلك فإن إدارة التنسيق والمتابعة بسوق عكاظ تخطط دائمًا لأن يكون المهرجان «نافذةً إلى المستقبل، ورمزًا للنموّ والتقدّم».
سوق عكاظ المعاصر لا يمكن أن يكون نسخة مكررة بحذافيرها عن حدث غائب منذ 1300 عام، فذلك عهد قد مضى، ولا يسعنا سوى الاحتفاء به بذكره، واسترجاع بعض ملامحه من قصائد وشخوص وأزياء. لكن عكاظ اليوم ينتمي إلينا، نحن من نعيشه ونصنع مجده: جاء دورنا بعد أجدادنا القدماء لكي نمشي على ترابه، ونرفع أصواتنا من منابره، معبّرين عن فرحنا وهمومنا، وعن تحديات تواجهنا. عكاظ اليوم تنتعش بأجيال اليوم، وبآمالهم وقدراتهم ومواهبهم، ومن حقهم أن يقوموا بين جنباته بدورهم الحضاري المغاير، والذي يواكب عصرهم، بل وأن يهيئوا المكان القديم لاستقبال أجيال أخرى قادمة لتمارس دورها هي أيضًا، وتضع بصماتها الخاصة في استمرارية متجددة.
حين نحتفي بسوق عكاظ فنحن نحاكي الرؤية العامّة المحرّكة له: أن يكون هناك تجمع سنوي للتبادل الفكري والاقتصادي بين العرب، وهذا هدف عام شامل، لا يمكننا التخلّي عنه، لكن العرب قديمًا لم يعرفوا من وسائل التعبير الفني سوى الشعر، ويبقى سوق عكاظ اليوم على هذا النوع الأدبي كأساس راسخ، كما يعيد طقوس التنافس بين الشعراء، والفوز بلقب أفضل شاعر، بل ويكرّم سمو الأمير الفائز بمنحه البردة تمامًا كما كان يفعل النابغة مع شعراء عصره. لكن الفكر المعصر تفرّع وتشعّب، كما الفنون جميعًا، لذا فعكاظ اليوم يتباهى بمختلف الأعمال الفنية كالمسرح والفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي والخط العربي وغيرها من ألوان التعبير الفني.
كذلك كان السوق يعجّ بالبضائع المعروفة حينها، ربما من ملابس وأكل وشرب، وبعض منتجات الحرف اليدوية، وعكاظ اليوم قد حافظ على تلك النوعية من البضائع في تصنيفاتها الأساسية، لكن لا ينتقص من قيمة السوق التراثي إن ظهر به ملبوسات، أو مأكولات، أو مشروبات حديثة يفضلها روّاده اليوم. يكفي أن نتعرّف على المكان، ونسمع قصصه، ونشاهد ملامحه، لكن زيارتنا له لا يمكن أن تتحوّل إلى درس جامد في التاريخ العتيق.
في رمضان الماضي أطلقت كاتبة أخرى اعتراضها على مهرجان «كنّا كدا» المقام في المنطقة التاريخية بمدينة جدة، وقد اعترضت بجملة «ما كنّا كدا» على اختلاف أجواء الاحتفاء بالحواري القديمة عمّا كانت عليه في الماضي، وأزعجتها على وجه الخصوص أصوات بعض البائعات اللواتي كُنَّ يروّجن لبضائعهنّ. تناست الكاتبة أنها كانت في طريقها لحضور جلسة نسائية تعقد في وسط الحارة، وفي منتصف ليل رمضان، فجاءت ملحوظتها واعتراضها قمة في التناقض.
في مهرجاناتنا التراثية، لا نحتفل بالماضي باستنساخه حرفيًّا وتجسيده بأدق تفاصيله، فكل ما نفعله هو إبقاء ذلك الماضي في ذاكرتنا، وهذا مختلف تمامًا عن الإبقاء عليه كما كان. الفكرة هي أن نحيي المكان الذي كان حيًّا بالناس، وبما يمتّعهم ويسلّيهم، أن نحيي روح الجماعة والرغبة في الانخراط في أنشطة تتماشى مع أهوائنا وميولنا المعاصرة. تراثنا مِلكٌ لنا، والعيب الحقيقي هو أن نتعامل معه كغرباء عنه، أن نتفرّج عليه كالسيّاح الأجانب، ولا نندمج ونتفاعل معه.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store