ذات يوم وصلتنا تعليمات في قسم اللغات الأوروبية وآدابها بتغيير الخطة الدراسية لإقحام المزيد من المواد التي تعنى بالترجمة، ذلك أن من تخرَّج في القسم لا يكاد يجد عملًا إلا كمترجم، ورغم اعتراض جميع أعضاء هيئة التدريس أن إضافة المواد الجديدة سيُـنقص من عدد المواد التأسيسية في العلم المنوط به القسم، وأن من أراد تعلم مهارات الترجمة، فليلتحق بأقسام متخصصة تمتد برامجها من البكالوريوس إلى الدكتوراة، إلا أننا رضخنا ورحنا نبتر مواد التخصص وندمجها ونستبدلها بمواد الترجمة المطلوبة في سوق العمل.
ثم دارت الأيام واستفحلت مسألة ارتباط المعرفة التخصصية لطالب العلم بالوظائف المتاحة للخريج، ولمواكبة متطلبات المرحلة أطلق وزيرا التعليم والعمل برنامج (تعليم وعمل) لموائمة مخرجات التعليم العالي مع احتياجات القطاع الخاص لمساعدة الخريجين في العثور على فرص وظيفية، وذلك بتزويدهم بالمهارات اللازمة ورفع كفاءتهم بما يؤهلهم للمنافسة في سوق العمل، وعُـقدت الجلسات الاستشارية مع رجال وسيدات الأعمال ليقترحوا نوع وكيفية تلك الموائمة، فتوالت التغييرات الجذرية في محتوى المواد وطال الإحلال والإبدال معظم تخصصات الجامعة، كان الهدف وما زال هو تجسير الفجوة بين العلم والعمل، بين المعرفة والمهارة، بين المعلومات والاحتراف المهني.
ولا تكتفي الجامعات بالنزول لساحات العرض والطلب على حساب خطط عطائها المعرفي، بل هي تغامر بها أيضًا لصالح كل المشكلات التي قد تواجه المجتمع، والتي تصدرتها مؤخرًا مشكلة ارتفاع حالات الطلاق، مما دفع جامعة الملك عبدالعزيز إلى صفوف الإنقاذ بإعلانها عن مادة دراسية تقوم بتأهيل الطلبة لاتخاذ خطوة الزواج، هذه تجربة غير مسبوقة للمستويات العليا من التعليم، خاصة أن المادة متطلب دراسي إلزامي يتوجب اجتيازه.
في مقاله «قراءة هادئة في قرار فتح فصول لتحفيظ القرآن الكريم»، يقول أحمد العيسى: «طالما أن هناك العشرات من الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن التي تشرف عليها وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، فلنترك مدارس التعليم العام لتقوم بمسؤولياتها في «تعليم» العلوم والمعارف...»، وبالمثل فإن وزارة الشؤون الاجتماعية قد دشنت مبادرة برنامج «تأهيل» تفعيلًا لقرار مجلس الوزراء بأن تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية بإعداد وإقامة برامج ودورات توعوية للشباب المقبلين على الزواج في جميع مناطق المملكة وتعقد في جمعيات الزواج والمراكز الأسرية ولجان التنمية الأهلية، والمؤسسات المعتمدة من وزارة الشؤون الاجتماعية.
هل قرأ منكم أحد كلمة (جامعة)؟
صحيح أن الجامعات تتقاعس عن تنمية القدرات التحليلية والنقدية في طلابها مما يؤثر في كفاءتهم النوعية، إلا أن إتقان المهارات العملية يظل عنصرًا غريبًا مقحمًا على المجال الأكاديمي ومستحوذًا على مساحاته ومنتقصًا من إمكانياته، منذ متى كان اهتمام الجامعات ببرامج التوعية وبحل مشكلات المجتمع الحياتية؟ وما الذي يمنع الجامعات من تقديم مواد أخرى تتناسب مع المرحلة، فمادة في التطرف، ومادة في سلوكيات السفر إلى الخارج، ومادة في التحرش، وأخرى في مآزق الاستقدام، أما كان الأولى واللائق بالجامعة أن تعرض مواد في فلسفة الأخلاق، ومفهوم المسؤولية، وقيم العمل؟.
التعليم العالي وأعباء التدريب والتأهيل
تاريخ النشر: 27 أغسطس 2015 01:18 KSA
ذات يوم وصلتنا تعليمات في قسم اللغات الأوروبية وآدابها بتغيير الخطة الدراسية لإقحام المزيد من المواد التي تعنى بالترجمة، ذلك أن من تخرَّج في القسم لا يكاد يجد عملًا إلا كمترجم، ورغم اعتراض جميع أعضاء
A A


