منذ عقود، كانت عبارة «المصير العربي المُشترك» شعاراً يُرفع في المؤتمرات ويتردَّد على ألسنة بعض الساسة والزعماء.
وبغض النظر عمَّا جرى بالشعار والخلاف حوله، أظهرت مسيرة الواقع العربي أنه لا التعاون الحقيقي الفعال الذي يؤدي لمصلحة الجميع حَصَل. ولا الانعزالُ (الوطني) العملي، الذي ربما يؤدي لتحقيق مصلحة بلدٍ بعينه، كان ممكناً.
ثمة حسابات وأسباب لعبت دوراً في الوصول لتلك النتيجة. واستمر هذا الحال حتى وصلنا إلى واقع المنطقة اليوم. وتحديداً، فيما يتعلق بدرجة وكيفية تأثير الوضع السوري في مصير العرب اليوم وغداً وبعد غد.
فبنظرةٍ واقعيةٍ بعيدةٍ عن الأوهام والتمنيات والتفكير الرغائبي، يبدو مستحيلاً أن (يستقيل) العرب من القضية السورية. ويلوح أن هذه القضية عادت لتَفرضَ فَرضاً مقولة (المصير العربي المُشترك)، ولو بحدّها الأدنى.
ثمة اليوم من يُدرك هذه الحقيقة، ويعمل بمقتضاها، ليس فقط لمصلحة سوريا وشعبها، وإنما لإدراكه أيضاً باستحالة تحقيق المصلحة الوطنية، أصلاً، في معزلٍ عن إدراك حتمية (المصير العربي المُشترك)، المملكة مثالاً.
لكن هناك (فخاً) في الموضوع يجب أن ينتبه إليه البعض الآخر. فقد لا يستقيل هؤلاء من القضية السورية، بمعنى استمرارهم في لعب دورٍ يتعلق بمجرياتها، ولكن مع الاعتقاد بأن تحقيق مصالحهم يكمن، مع التطورات الإقليمية والدولية، في تناسي تضحيات الشعب السوري، والاستجابة للمناورات ذات العنوان الروسي والإيراني، للالتفاف على ما جرى خلال السنوات الأربعة الماضية، والمشاركة في إعادة تأهيل الأسد ونظامه.
تتأكد المشكلة في ظل (الوهم) بأن (إعادة التأهيل) تحصل بموافقة أمريكية، بمعنى أنه «أمرٌ قد توَجَّه». في حين أن كل ما تفعله أمريكا اليوم يُختصر في قرارٍ بألا (تُزفر أيديها) في الموضوع حالياً. فهي تدرك بيقين أن بشار الأسد انتهى عملياً، وأن سوريا تحت حُكمه لن تعود يوماً، لكنها تترك الروس، ومن يَرغب، ليلعبوا بالموضوع، ويُشبِعوا، إعلامياً، أوهامَهم باستمرارهم كقوةٍ عظمى، في انتظار تهيئة الظروف لطبخةٍ أخرى.
يعلم الأمريكان أن بقاء الأسد أخطرُ على المنطقة حتى من وصول (داعش) لحكم سوريا. لأن بقاءه هو الوصفة المثالية لفوَضى ستبدو معها الوقائع الحالية مثل لعب الأطفال.. في حين أن وصول (داعش) لحُكم سوريا سيجمع الدنيا ضدّها بشكلٍ يُنهيها بأسرع وقت، حيث ينقلبُ نموذجُها في المناورة من حرب العصابات إلى حرب دول، وهذا ما لا طاقة لها به.
بعد إدراك تلك الحقيقة، لا مفر من التفكير بمعطيات الجغرافيا السياسية والثقافة والاجتماع، من تَداخُل طرق التفكير إلى التداخل الكثيف للمجتمعات العربية، إن بصورتها التقليدية القبلية والعشائرية، أو بصورها المعاصرة في المجتمعات الخليجية مثلاً، فهذه المُعطيات تظهر استحالة حصر الفوضى المذكورة في سوريا، والساحة الطبيعية لانتشارها هي العالم العربي، وخاصةً منه الأقرب لسوريا.
لا تنفع في مثل هذه القضايا، بكل شفافيةٍ وصراحة، لا الحدود ولا الأسوار، ولا الموانع الدبلوماسية المتعلقة بالتأشيرات والفيز وأذون الدخول والإقامة، ولا الملاحقة الأمنية والقوانين الصارمة. فتحتَ الضغوط العملية والنفسية الهائلة، من هَوس الأيديولوجيا إلى الجوع، مروراً بغسيل الأدمغة ومشاعر (التعاطف) بين الناس، وصولاً إلى ظاهرة (الهيجان الجماعي) التي جرﱠبتها الشعوب والأمم كثيراً في مثل الأحوال الاستثنائية التي يعيشها العرب اليوم، تفقدُ كل تلك التدابير فعاليتها، وتُصبح الفوضى مثل سيلٍ عارم من الماء: تسونامي، إن لم يهدم الحواجز فإنه لا يعدم وسيلةً يتسربُ فيها من الشقوق.
قد تكون لدى أمريكا والغرب مساحةٌ (ترف)، مراقبة الفوضى سنوات لحين الوصول إلى حلٍ يحقق مصالحهما، لكن السؤال هو عن وجود مثل هذا الترف لدى العرب؟!
سوريا.. قَدَراً عربياً
تاريخ النشر: 06 سبتمبر 2015 00:49 KSA
منذ عقود، كانت عبارة «المصير العربي المُشترك» شعاراً يُرفع في المؤتمرات ويتردَّد على ألسنة بعض الساسة والزعماء.
A A


