** عندما نشطت تيارات اليسار داخل حزب العمال البريطاني في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات الميلادية، وانتخب مايكل فووت Foot، زعيمًا للحزب عام 1980م، بدأ الحزب يتفكك داخليًّا، مع أن فووت كان يساريًّا معتدلاً، وكان أحد أبرز المتحدّثين الذين عرفهم مجلس العموم، إضافة إلى تمرّسه بالكتابة الأدبية والصحافية، لكن ذلك الحضور السياسي لـ»فووت» لم يمنع شخصيات متمرّسة بالعمل السياسي مثل وزير الخارجية الأسبق ديفيد أوين Owen، ووزير الخزانة الأسبق كذلك روي جنكينز Jenkins، ومعهم عدد من ناشطي الحزب، والمحسوبين على ما يُعرف باليمين، أو يمين الوسط من الانشقاق عن الحزب، وإنشاء حزب حمل اسم «الاجتماعيون الديموقراطيون»، وهو ما يرمز له في أدبيات السياسة البريطانية بـ»SDP»، والذي بعد ذلك انضم لحزب الأحرار، وتشكّل منهما حزب واحد تدور سياساته الداخلية على الابتعاد عن اليمين واليسار، والبقاء في دائرة الوسط سياسيًّا، وذلك بجهود الزعيم الراحل للحزب تشارلز كنيدي، حيث استطاع أن يوسّع حظوظه في انتخابات 2005م؛ ليصبح عدد نوابه في البرلمان «56» نائبًا، إلاَّ أنَّ الانشقاقات داخل «العمال» لم تؤثر على مسيرة الحزب الذي أنشئ مع بداية عام 1900م، واستطاع توني بلير Blair ورفيقه جوردون براون Brown، أن يأخذا الحزب سوية إلى نسخة منقّحة من المحافظين لإعجابهما الشديد بالزعيمة مارجريت تاتشر، والفوز بثلاث دورات انتخابية، وانساق «بلير» خلف السياسة الأمريكية والمتشددة يمينيًّا، أو المعروفة باسم سياسة المحافظين الجدد في حقبة جورج بوش الابن، فكان «بلير» حليفًا لـ»بوش الابن» في حربه المدمّرة على العراق، وفي التماهي مع اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال عمله مبعوثًا للجنة الرباعية، حيث أظهر انحيازًا لإسرائيل.
** الزعيم الأخير والسابق للحزب إيديلياند Miliband، والذي أقصى أخاه ديفيد عن زعامة الحزب، أخذ الحزب في سياساته الاقتصادية إلى ما يُعرف بيمين الوسط، ولكنّه خسر الانتخابات الأخيرة، فأعلن استقالته من زعامة الحزب فور إعلان خسارته في تلك الانتخابات.
** فاز في انتخابات زعامة حزب العمال يوم السبت الماضي اليساري المتطرّف جبرين كوربن Corbyn، واعتمد في تسويق سياساته الداخلية، خصوصًا في أوساط الجيل الصاعد والتي تمثل اقتصاديًّا في اعتماد سياسة عدم مس نظام الخدمات الاجتماعية والصحية بأي تغيير، ويعتبر ذلك مناقضًا لسياسة حزب المحافظين الداعية لسياسة التقشف، كما يرفض أي اتفاق يمهد لعقد صفقة التبادل الحر مع الولايات المتحدة، كما يقترح زيادة الضرائب على الأغنياء والشركات التجارية الكبيرة، وتوزيع الثروات، وفي السياسة الخارجية هو مناصر للحركات والتيارات الدينية المتشددة دينيًّا في منطقة الشرق الأوسط وسواها، كما يدعو لإشراك حركة حماس في أي عملية سياسية تخص القضية الفلسطينية، والانفتاح أيضًا على دول مثل الاتحاد السوفييتي، وفنزويلا، كما يرى ضرورة اعتذار رئيس الوزراء السابق «بلير» للشعب العراقي عن محالفته مع الأمريكيين في حربهم ضد العراق، ومن هذه المنطلقات يبدو الزعيم الراحل الأسبق مايكل فووت يمينيًّا بامتياز مقارنة بآراء كورين اليسارية المتشددة، والتي يبدو أنها سوف تحدث تغييرًا جذريًّا في خارطة السياسة البريطانية.
اليسار البريطاني بين العداء لأمريكا والتناغم مع قضايا الشرق الأوسط!!
تاريخ النشر: 15 سبتمبر 2015 01:43 KSA
** عندما نشطت تيارات اليسار داخل حزب العمال البريطاني في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات الميلادية، وانتخب مايكل فووت Foot، زعيمًا للحزب عام 1980م، بدأ الحزب يتفكك داخليًّا، مع أن فووت كان يساريًّ
A A


