لكل حادثة خارطة تُوضِّح مكانها وزمانها، وتضبط إحداثياتها، عند كل تعامل مباشر أو غير مباشر مع الحادثة أو مع تداعياتها.
وفي العلاقات الدولية لا تقع الحوادث بغتة، ولا بمحض المصادفة في أغلب الأحيان، فالسلوك الدولي منضبط بغاياته، ومحكوم بأهدافه، وفي هذا السياق لا يمكن النظر إلى الحملة الإعلامية التي تستهدف النيل من السعودية بدعوى تقصيرها في إغاثة وإيواء اللاجئين السوريين الذين شرّدتهم الأحداث في وطنهم، وطرحتهم فوق خارطة المنطقة والعالم، نازحين يبحثون عن ملاذ آمن أو عن وطن بديل.
لابد من طرح السؤال: ماذا وراء استهداف السعودية بحملة تشنّها وسائل إعلام دولية وإقليمية؟، هل هدف من يقفون وراء تلك الحملة هو إغاثة المزيد من اللاجئين السوريين الذين تقطعت بهم السبل؟!.
إن كان هذا هو الهدف، فإن المملكة قد آوت حتى ساعة كتابة تلك السطور نحو مليونين ونصف المليون من السوريين، الذين غادروا وطنهم طلبًا للنجاة أو للعيش، وأتاحت لهم فرص العمل والإقامة والتعليم والرعاية الصحية وكل ما يتمتع به المواطنون السعوديون في كافة مناحي الحياة.
ماذا يريد أصحاب الحملات المشبوهة ضد المملكة إذن؟! وماذا قدمت تلك الدول التي تأوي وسائل الإعلام المشبوهة لقضية اللاجئين السوريين؟!، بل ما الذي قدمته دول صدّعت رؤوسنا ليل نهار بالحديث عن حقوق الإنسان؟، ماذا قدمت لحقوق الإنسان السوري النازح الذي يُترك في العراء بتلك الدول مُلَاحَقًا من قِبَل الشرطة أو من قِبَل جماعات عنصرية تحظى فيما يبدو بحماية الشرطة في بلادها؟!.
أغلب الظن أن جوقة انتقاد المملكة بتهمة التقصير في واجباتها الإنسانية إزاء الشعب السوري والنازحين السوريين، إنما تُحرِّكها دوافع أخرى أرى شخصيًا أن الابتزاز أهمها على الإطلاق، كما أرى أن تلك الحملات قد استفادت من أمرين:
الأمر الأول: تعتيم إعلامي رفيع المستوى في وسائل الإعلام الغربية بصفة خاصة إزاء جهود المملكة الإنسانية والإغاثية لمساعدة الشعب السوري في محنته، ويهدف هذا التعتيم إلى ابتزاز المملكة في الملف السوري فضلاً عن ممارسة ضغوط على السياسة السعودية إزاء ملفات أخرى في الإقليم، كملف اليمن والعراق ولبنان، وكلها ملفات إقليمية تحظى بأهمية كبيرة في التحرك السياسي السعودي في مرحلة بالغة الخطورة، سوف تترك بصماتها على مستقبل كل طفل وطفلة في الأجيال المقبلة.
أما الأمر الثاني: فهو أن تلك الحملة المغرضة قد استثمرت تقصيرًا إعلاميًا سعوديًا في مخاطبة الرأي العام العالمي والإقليمي إزاء ملف المساعدات السعودية للشعب السوري الشقيق في محنته.
مشكلة الجهد الإعلامي السعودي أنه اتجه إلى الداخل المقتنع تمامًا بقضيته، بدلاً من أن يتجه إلى الخارج الميّال للتشكك في النوايا السعودية أو المتربص بالمملكة أو المعادي لها.
كان الطبيعي ومازال أن يتجه الجهد الإعلامي السعودي إلى هذا الخارج المُتشكِّك شارحًا ومُفسِّرًا ومُقنعًا، بعدما زوّده سلوك القيادة بكل أدوات الإقناع، من خلال قرارات وسياسات جعلت سلامة سوريا وشعبها فوق كل اعتبار، وكذلك عبر حملات شعبية وخيرية لإغاثة الشعب السوري قدم خلالها الشعب السعودي وقيادته للأشقاء في سوريا ما لم يُقدّم مثله سواه من دول أو من منظمات دولية.
وبينما تتعثر أوروبا الغنية في استقبال نحو مئة ألف لاجىء سوري في ثمانٍ وعشرين دولة أوروبية لا تكف وسائل إعلامها ولا وزارات خارجيتها عن تذكيرنا بحقوق الإنسان، فإن المملكة قد أوت في صمتٍ نبيل ودون ضحيج دعاية رخيص أكثر من مليوني سوري، تهيّأت لهم كل فرص الحياة الكريمة على أرضها.
ورقة إيواء نازحي سوريا ليست سوى أداة للضغط على المملكة لثنيها عن نهجها الشجاع في مواجهة قضايا الإقليم، وفي سعيها لتطويق سياسات معادية تستهدف المنطقة العربية وتسعى إلى تمزيقها.
قضيّتنا مشروعة وحقّنا ثابت، ولكن علينا أن نتجه بخطابنا الإعلامي إلى الخارج الذي يستهدفنا، وليس إلى الداخل الذي يخوض إلى جانبنا نفس الحرب من نفس الخندق.
الحرب الكبرى التي تعيشها المنطقة برمّتها، لا يمكن كسبها فحسب في ساحات القتال، وإنما هي حرب لكسب العقول والقلوب معًا، لا يملك هذا الوطن ترف خسارتها، وينبغي على إعلامنا الخارجي بإمكانياته الهائلة أن يتحرَّك لكسبها، ولديه الحقيقة السعودية الساطعة وهي المادة الخام للنجاح.
حرب العقول والقلوب
تاريخ النشر: 18 سبتمبر 2015 01:37 KSA
لكل حادثة خارطة تُوضِّح مكانها وزمانها، وتضبط إحداثياتها، عند كل تعامل مباشر أو غير مباشر مع الحادثة أو مع تداعياتها.
A A


